“إن كنت تبحث عن مسكن الروح فأنت الروح، وإن كنت تفتش عن قطعة خبز، فأنت الخبز، وإن استطعت أن تدرك هذه الفكرة، فسوف تفهم أن كل ما تبحث عنه، هو أنت.” (جلال الدين الرومي).
الهويةُ الماثلةُ في حياة الانسان وكونه هي تلك الحقيقة التي يقوم عليها وجوده، وهي العبودية. تلك العبودية التي ينبغي أن نتكلم فيها عن الغنى أكثر من الفقر.

ودلالات الغنى فيها معنىً موصولٌ بذلك الوصف الكوني المخزون بما يحتاجه هذا الانسان من النِّعم والمعارف والنواميس التي يُسّرت له من اسباب الحياة التي سيقتحم خفاياها وأسرارها بعلومه وتجاربه.
إنها عبوديةٌ موصولة بشآبيب الامداد التي لا تنقطع.

وفي مسيرة الوجود تلك، وُجد من الناس ذلك الفريق الذي ظلّ موصولاً بمفهوم العبودية الصافي الرقراق المنداح المتدفق بنورانية المُوجِد وهو الله جل جلاله.
هذا النوع من بني البشر حوّل طاقات ونعم هذه الحياة الى جسورٍ ممدودةٍ بينه وبين تلك الجذور فظلت تلك المسيرةُ صافيةَ المنبعِ والمجرى والمصب.
فهو يوم أكل (أكل ليعيش) جاعلاً في ذلك العيش رسالة لتطوير الانسانية وإسعادها وزرْع التراحم في مدارات حياتها.

وفريق آخر تاه في تفسير تلك الهوية الى حد التزوير، فهو جاز دروب حياته بمطالب (الغريزة) لا بمقتضى عالم الروح، فعاش يوم عاش، عاش ليأكل، ليجمع، هادماً الجسور إلا تلك الواصلة الى عالم (أناه)، ضالاً في التفريق بين (متعتها) وما بين (سعادتها).

ورائعة “الرومي” لوحة فنية تُبرز كلاً من هذين المشهدين المُقرَّرَين باختيار الانسان .
والآن، أيها البُناة، لنبني فيما نبنيه قِيماً تستجيب لعالم الروح، كما نبني – أمام ضرورات الحياة – قيمها المستجيبة لعالم الجسد، وفي كلٍ – إن أحسنّا ترتيب الموازين – خير.
مع تبيان أنَّ كرامة السجود لم تأت عند بيان: {حتى إذا سويته} وإنما جاءت بعد {ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}.
ونحن غالبا ً في عالم الجسد ذاك (مستهلكين) أما في عالم الروح تلك (فمنتجين) إنتاجاً لا يعرف الكساد.

د. محمد شعبان