“ما أجمل الجري دون تهوّرٍ وتعثُّرٍ”
لغةُ العِرفان التي تحدثنا فيها، ونتحدث، ليست “تطويقاً” لطاقاتِ الانسان وتجميداً لها كما يتوهم البعض. إنها الاُهْبَة الباعثة للهمّة والحركة والتجدد بلغةِ الحُبّ..
وإنني يا قارئي هنا في حديث عن “الوجدانية” الفاعلة والمُنفعلة والمتوثبة نحو الحركة والبناء وإبداع ما هو أروع.
فكل ما قيل بالأمس يذهب مع الأمس بلغة الدارسين “الباردين” أو ربما المتجمدين، لكن في تجربة العِرفان تتساوى كل الأزمنة، فالماضي والحاضر والمستقبل ما هي في النظرة العرفانية إلا توائم ثلاث تساوَت في أعمارها وأحجامها، ولربما اختلفتْ بوجوهِ الشَبَهِ فيما بينها..
إنها ثقافة روحٍ لا تتأثر بالزمن ولا تعبأ به.
انها لحظة جرت على سنن “النُّشوء والارتقاء” لتكتسب في “حضرة الخيال” قدرةً وأَلَقَاً ومُكْنَةً على تسييل مشاكلنا وأزماتنا، وأن تُعيد تدويرها لتبعث منها “وعياً تفاؤلياً” منطلقاً في أبعادٍ وآفاقٍ، غير عابئ بقوالب الزمن.
انها اللحظة الماثلة..
إنها “بنتُ الوقت” وحيث وَلَجَتْ وَسَمَتْك، وَسَمَتْ بِك الى كمالاتٍ من سَعَة المَدارك، محطمةً قيود وحدود الجِهاتِ الثماني..
إن مُثُلَ العِرفان وتجاريبَهُ ليست صَرخَةً في بريَّةٍ مُقفِرةٍ، وإنما هي الواحة الخِصبة المُخْضرة والمُفعمة بإنبات معاني التحمّل وتثبيت قوائم الهِمم عند جَلَد الحياة ومصاعيبها.
ولكن مهلاً، ماذا يعني لنا كل هذا نحن “البُناةَ”؟
ما هو الناتجُ من مِثل هذه الحفريات المحشوّة بالرموز؟
أليس ترفاً أن تحملها حتى الأوراق؟ وقد ازدحم عصرنا بما جد واستجد؟
ماذا يعني كلُّ هذا في لغة الأرقام؟
الحقيقة، أنني لا أستسيغ أسلوب اثبات الفروق، ولكن تأمل بين ثقافة تريد أن تحولك الى إفرازاتٍ من السوائل لبنيتها المعقولة بعِقال “المُزَمَّنِ” و “المُحَسِّ” تستنصر فيه معارفُك الذاتَ والجسدَ الموتوريـن بأزماتٍ مع معاني الروح فيبدوان عاريين منها.
وبين ثقافةٍ ترفعك الى عرشٍ تستنصر فيه معارفُك روحَك ليخيطا في تناغمهما أثواباً منمَّقةً لما تجسّد و “تذوَّت” فتجعلك بذلك لا سيد أزمنتك، ولكن سيد الأزمنة..
أليس هذا البُعد يحوّل الوجود مرآةً كونية لك؟
ولنترك الحديث عن “ثقافة المرآة” هذه الى مرموزٍ آخرَ معكم إن شاء الله تعالى.

د. محمد شعبان