“إذا صُبَّ في القنديلِ ماء، ثم صُبَّ فوقه زيتٌ، ارتفع الزيتُ فوقه، فيقولُ له الماءُ: أنا ربّيتُ شجرتَك فأين الأدب لِمَ ترتفع عليّ؟ فيقول له الزيت: أنت في رضراض الأنهار تجري بطريق السلامة، أما أنا فلقد صبرتُ على مُرِّ العصر وقهرِ الرحى وبالصبر ترتفعُ الرُتَب! فيقولُ له الماءُ: ولكني انا الأصل.. فيقول له الزيت: أُستر عيبك – هنا – فإنك إن قاربتَ المصباحَ انطفأ.” (ابن الجوزي)
أمام ضغوط الحياة ومصاعيبها، وأمام ضجيج وازدحام الحاجيات فيها نحتاج جميعاً الى تلك الطاقة الباعثة على التحمُّل أعني بها “الصبر.”
إنه التسليم القادم من أعباء رحلةٍ طويلةٍ، بَذلَ الانسانُ فيها ما تُعبّدَ فيه من أخْذه بالأسباب وهو يبني تخطيطه في جانب ما لحاجيات وجوده.
ثمّ وبفعل خَلَلٍ وثغرةٍ ما، قد تأتي النتائج مخالفةً لمقتضيات هندستنا البشرية فيه.
يأتي الايمان هنا بطاقةٍ من طاقاته “الناهضةِ بالعزيمة” الداعمة للإرادة لتفعلَ فِعْلَها.
نعم إنه الصبر النابتُ في أرض نورانية الايمان الخصبة. وبتأثير سحري صامت، وفي قوّة هادئةٍ، يُحوِّلُ الصبرُ الكارثة الى مجرد أزمة، مفترضاً لها الحلول، فتبدو أمام شكيمته أشبه بالعَثَرَة. نعم عثرة وتنتهي، لتبدأ أنت منها، وقد اكتسبتَ منها الخبرات والقدرات، لتتابع مسيرتك الممشوقة بالأمل، المُشْبَعَةِ بالإِقدام، المدججة بالثقة، لتحقيق المأمول.
نعم اصبر لترتفع… وتعلو رُتْبتُك.. وتسموَ نفسُك..
إنك تتعرف على قيمة الصبر هنا، لا بطريقة الواعظين التقليديين حيث شرائح العبارات السردية … إنك تُطالعُ هذه المُرادات من تلك السياقات في كلام عارفنا ابن الجوزي رحمه الله تعالى، في صناعةٍ أشبه ما تكون “ببراعة اختراع” وهو يقدم وجدانيةً.. لها منابتها العرفانية في أسلوبها بتقديم القيم الانسانية..
إنَّها لوحات رمزية مشبعة بالأحاسيس.. مزج فيها اليراعُ بين عالم الصورة الذهنية، وبين ما يوالفها مما “تجسّد” من نواميس المُعَبِّراتِ الطبيعيةِ من حولنا..
والارتفاعُ الماثلُ في صِباغ مُفَسِّراتِ لوحتنا الطبيعية العرفانية الناطقة هذه، ليست مراداً لإثبات فوقيّةٍ مُبْهَمَةِ التعابير.. إنها في “المكان” لترسيم “المكانة” وهي في ترتيب الوضع ربّما كانت في مثل ضِعَةِ التراب تحت القدمين… إلا أنَّه في التيمّم هو طهورٌ للوجه …
ولِلبعض الذي انكشف لنا من عالم أسرار مثلِ هذه اللوحات العِرفانية، بقي لنا أن نفهم أن الصبر شعلةٌ من قبس “الكوكب الدريّ” فيها نورانية البصيرة التي تَتفَتَّقُ أمامها الحُجُب، مخترقةً ظلمات الرؤى التي تبللت بالإخفاق والعجز عن مُراداتها، فحاصرها البرود والجمود عن المبادرة، ليُسعف مثل ذلك الصبرُ بما فيه من مكنونات زيتٍ مُقدّسِ المنابعِ، فيُطلق أمام هذه الرؤى والأفكار من شعاعه ما يُضيءُ عن مسالك الأمل المتجدد في مسيرة حياتنا.
إنه أمل في الوجدان قبل مفترضات الامكان.. وأهميته أن ينشأ هنالك.. في مساحته الوجدانية ليكون تعبيراً عن القوة الصالحة لإنتاج الحلول عند عدم توفرها.
والصبر هو شعور التسليم المُعَبِّر والعابر بنا الى واحات السلام، سلامنا الداخلي والسلام مع الآخر. قال الله تعالى في بيانه: {سلامٌ عليكم بما صبرتم فنِعْم عُقبى الدار}.
بقلم أ. محمد شعبان