للشيخ الشعراوي رحمه الله دعاء مشهور يقول فيه: “اللهم يا مصوِّب خطأ الدعاء بألا تجيب؛ وبهذا تحمي من الضر من يدعوك بالشر دعائه بالخير”، ويشير في دعائه هذا إلى أمر يغفل عنه أصحاب الحاجات حين الدعاء والطلب من الله؛ إذا أن البعض يطلب من الله أمراً يجانب الصواب أو الخير أحياناً، أو أمراً يجانب فيه صنوف الأدب وحسن الرجاء والطلب أحياناً أخرى، وإنني أذ أذكر هذا أذكره لألفت النظر إلى أدب الدعاء الذي ينبغي على كل مسلم أن يتمثله حين الدعاء. فنحن إذا ما كانت لنا حاجة أو طلب عند رئيس أو أمير أو غير ذلك… تجدنا نقدم ونمهد لحاجاتنا بأفضل ما يكون التمهيد، ونقدر من نطلب منه بأحسن ما يكون التقدير. ولعل أفضل من امتثل هذا الخُلق حين دعائه، هم الأنبياء والمرسلون عليهم صلوات الله وسلامه.

لو قرأتم سورة الشعراء، ومررتم فيها على قصة نبي الله الخليل إبراهيم، لوجدتم فيها عجباً من أدب ذلك الخليل مع الله، إذ يمهد لدعائه بآيات وآيات حتى يصل إلى مبتغاه، فحينما جادل قومه في الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، صدح بالوحدانية لله بلا خوف أو وجل: “الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ “، وأكد على هذه الحقيقة بذكر الضمير: فهو. ويكمل ثناءه وتقديره لله: “وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ”، وهذا الأمر السهل الذي نعيشه كل يوم، يلفت انتباههم إليه، ويؤكد على ذلك بذات النسق في المرة الأولى بذكر الضمير العائد على الله: هو. ثم في الآية التالية تجد قمة الأدب في أنه نسب الأمر غير المحبب لله، ونسبه لنفسه أو للإنسان ذاته، فيقول: “وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ”، ومن الذي يملك المرض والشفاء؟ من رب الداء والدواء؟ الله سبحانه، لكن أدب إبراهيم الخليل عليه سلام الله يمنعه من أن يقول: وإذا أمرضني فهو يشفين، رغم أن هذه هي الحقيقة إلا أنه يأبى أن يصرح بها أدباً مع الله، ثم يؤكد أيضاً بأن الشفاء من الله وليس الطبيب مثلاً الذي يصف الدواء، بل إنما هو من أسباب الشفاء بإذن الله. ثم يكمل قوله: “وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ”، ولو دققتم النظر لما وجدتم الضمير الذي يوحي بالتأكيد :هو، مستخدماً هنا كما في الآيات التي سبقت، لأنه يعلم أن لا أحد يملك الإحياء والإماتة إلا الله، فهو كذلك يقدر الله على قدر ما يستطيع، ويحاول بمفرداته إثبات ذلك، وإن كانت مفردات اللغات كلها لا تفي ذلك الخالق قدره وعظمته، ولا تحيط بفضله ومنَّتِه. ومرة أخرى وبغاية الأدب والخشوع، وإثبات الحاجة والضعف للنفس المقصرة في حق الخالق العظيم، القادر على تلبية الحاجات ولا ينقص في ملكه ذلك شيئاً، نجد نبي الله إبراهيم يقول: “وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ”، وأي خطيئة ارتكبها إبراهيم عليه السلام حتى يقول ذلك؟! ونعلم أن الأنبياء معصومون بأمر الله. لكنه يثبت النقص لنفسه وأنه إنسان بقوله هذا، تواضعاً لله الكامل، ويقرُ بنقصه كبشر إلى جانب ذلك الخالق العظيم سبحانه.

أرأيتم كل هذه المقدمات، التي قدمها إبراهيم الخليل عليه السلام، حتى يطلب من الله بعدها ما يريد، نجده يباشر بالدعاء بعد ذلك: “رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ”، لا أدري بأيهما يُسلب الفؤاد حقاً، بما قدم به إبراهيم عليه السلام دعاءه، أم بدعائه ذاته، وكلاهما عظيم وله من الله عليه الأجر العميم، وقد ذكر الله تلبية دعائه في قوله: “وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ”.

لذلك عباد الله، لنتعلم خلق الأدب في الدعاء، وحسن الطلب، فنحن نرجو من كريم، وإنما نحسن بذلك لأنفسنا، فالله غني عنا وعن دعائنا، وقد أشار بعض العلماء إلى أنك إذا دعوت الله فاجعل الحمد والثناء بداية دعائك كما هي سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم والأنبياء، وكذلك اجعل في مقدمة دعائك وخاتمته صلاة على رسول الله، فالصلاة على رسول الله مقبولة تصل رسول الله في أي زمن أو مكان، لذلك قالوا:
أعمالنا بين القبولِ ورَدِّها إلا الصلاة على الحبيب محمد

وذكر بعض السادة العلماء لفتة طيبة؛ أن الله الكريم إن قَبِلَ لك الصلاة على رسول الله أول الدعاء وآخره، هو أكرم من أن يرد لك ما بينهما من الدعاء الصالح، فلعل صلاتكم على رسول الله تكون سبباً في الإجابة وقبول الدعاء، فعليكم بها، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فمن وُفق للدعاء فإن الإجابة معه حتماً، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.

By Sh Jafar Hawa