“صليت العصر قبل موعد أذانه بالمسجد على المذهب الحنفي، فهل صلاتي صحيحة؟”، “ما الفرق بين المذهب الحنفي وبقية المذاهب؟”، “لماذا لدينا أربعة مذاهب أصلا؟ ولم لا نجتمع على مذهب واحد؟”، “هل يجب عليّ ابتاع مذهب معين من هذه المذاهب الأربعة؟ وهل يجب أن ألتزم به في كل أموري؟ وهل يجوز لي الانتقال من مذهب إلى مذهب؟ أو اتباع مذهب معين في مسألة، ومذهب آخر في مسألة أخرى؟”.
ما سبق أسئلة شائعة يطرحها البعض على الأئمة وعلماء الدين بين الحين والآخر، وهي على أهميتها لا تحظى بالقدر المطلوب من التوضيح خارج أوساط المتخصصين غالبا.
وغرضي في هذا المقال أن أوضح مفهوم المذاهب الفقهية الأربعة، ولماذا وجدت هذه المذاهب تحديدا في العالم الإسلامي اليوم، وما موقف المسلم تجاهها، بينما سأتعرض في المقالة القادمة إلى قضية المذهبية الفقهية، والفرق بينها وبين التعصب المذهبي، ومناقشة فكرة التحرر من المذاهب الفقهية.
وقبل أن أبدأ، ألفت نظر القراء الكرام إلى أن التعرف على المذاهب الفقهية، وكيفية نشأتها وتطورها، وأصولها المعتبرة، وأبرز علمائها، وأهم مؤلفاتهم الفقهية أمر لا يتسع له هذا المقام، وموضع طرحه هو الدورات والمساقات العلمية المتخصصة، وكتب تاريخ التشريع الإسلامي والمداخل الفقهية والمذهبية لمن أراد التوسع في الموضوع والتعمق فيه.
أولا: ما هو المذهب الفقهي؟
عندما يصل الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد فإنه يختار آراءً فقهية معينة، بناء على الأدلة الشرعية التي لديه، وضمن قواعد تحدد تعامله مع هذه الأدلة، ومجموع هذه الآراء التي استقر عليها رأي هذا الفقيه هو ما يعرف بـ “المذهب الفقهي”.
إلا أن هذا المذهب الفقهي يبقى مذهبا فرديا، أي خاصا بصاحبه، ما لم يوجد تلاميذ وأتباع يتبنون هذه الآراء ويتابعون الإمام عليها، عندها يتحول المذهب الفقهي من مذهب فردي إلى مذهب جماعي.
وقد وجدت في الإسلام عدة مذاهب فقهية جماعية، إلا أنه لم يكتب لها جميعا الاستقرار والاستمرار، فبينما اندثر عدد من هذه المذاهب، كالمذهب الظاهري، والأوزاعي، ومذهب الليث بن سعد، وسفيان الثوري، وابن جرير الطبري، كتب البقاء والاستمرار للمذاهب الأربعة المعروفة؛ الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي.
واندثار المذهب لا يعني بالضرورة ضعف الإمكانات العلمية لإمام المذهب، بل قد يكون هذا الإمام أغزر علما، وأدق نظرا من غيره، وهذا الإمام الشافعي يصرح بذلك في قوله: “الليث أفقه من مالك، لكن ضيعه أصحابه”.
إذن، استمرار المذهب، وانتشاره، واستقراره، يعتمد على عدة عوامل تتجاوز علم الإمام ومكانته الفقهية، فتدوين كتب الإمام، وجمع آرائه الفقهية، ووجود التلاميذ الذين يتبنون المذهب وينشرونه في الآفاق، وتبني الحكام والساسة لبعض المذاهب ودعمها ماديا ومعنويا، إضافة إلى بعض الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، كل ذلك له دور أساسي في انتشار مذهب على حساب مذهب آخر. واجتماع هذه الأسباب للمذاهب الأربعة دون غيرها كان سببا في ضمان انتشارها واستمرارها إلى يومنا هذا، واضمحلال ما سواها.
إن وجود هذه المذاهب الأربعة، وما تم لها من الخدمة العلمية والعملية على أيدي علماء كل مذهب، قد أثرى الفقه الإسلامي بشكل كبير، وأعطاه مرونة في مواجهة متطلبات الحياة ومقتضيات الواقع، ولذلك كان في الاقتصار على مذهب واحد تضييق على الأمة، وتقييد لها دونما داع.
إلا أن المسلم إن شاء أن يتبع مذهبا معينا في خاصة نفسه، ويلتزمه – دون تعصب – في مختلف شؤون حياته، فله ذلك، كما أن له أن يسأل من يثق في علمه وأمانته من أهل العلم دون أن يتقيد بفقيه معين أو مذهب محدد.
أختم حديثي بقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معين من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين من العلماء في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة