وإذا سألنا سؤالاً حول ماهية الصديق الذي نحب ويود كل منا أن يختار، سنجد إجابات كثيرة متفاوتة، منها ما هو صحيح مطلوب ومنها ما هو مذموم غير مرغوب، لكن للآداب النبوية في أمر الصحبة شأن آخر، وأود هنا أن نتعرف كيف ينبغي أن تكون الصحبة على النحو النبوي الذي ربانا عليه محمد صلى الله عليه وسلم، أملاً في تذاكر حديثه عليه الصلاة والسلام ورغبة في التطبيق والامتثال.

وإنني بحديثي عن الصحبة، أقصد خواص الأصحاب الذين تقضي شطراً من عمرك معهم، تؤثر بهم ويؤثرون بك، تختارهم طوعاً وتأنس بالحياة بقربهم. ولا أقصد أولئك الذين تربطك بهم ربما زمالة العمل، أو زمالة الدراسة، أو جيرانك من غير المسلمين أو من تربطك به أي أنواع العلاقات وما سوى ذلك من الناس… والأصل في هذه الأقسام، الإحسان والبر على أقل تقدير: “وقولوا للناس حُسْناً” (البقرة: ٨٣)، وغير ذلك من الضوابط الربانية والنبوية التي تحكم علاقات الفرد المسلم بمن حوله.

جاء في الحديث المرفوع عن ابن عباس رضي الله عنه، أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: أي جلسائنا خير؟ فقال: “من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في عملكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله” (البيهقي)، هل من الممكن حقاً أن تتذكر الله بمجرد رؤيتك لأحدهم؟ نعم، إن كان من أهل الصلاح، من أهل الطاعات والمساجد، سيذكرك بالتأكيد بالله وبرحاب الله. أما عن منطقه وقوله فليس إلا الموعظة والتحفيز لمزيد من الطاعة، والنصح لما فيه الخير، ويا نِعمَ هذا المنطق. وعمله الذي هو بمثابة تذكرة بالآخرة لأنه يعمل للباقية ولا يجعل هذه الدنيا تتملك عليه قلبه وفؤاده، فتدرك من عمله حقاً كم يجب أن تهون لديك هذه الدنيا في جنب الأُخرى.

ومن هديه عليه الصلاة والسلام ما روي عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري ـ رضى الله عنه ـ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “‏مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً‏”، فمع الجليس الصالح لا بدَّ أن تكسب ولا خسارة في صحبته إطلاقاً ويكأنك تأنس برائحة عطره، أما جليس السوء فمالك من صحبته إلا الندم والخسران‏‏.‏

لأن الصاحب ساحب، ولأن المرء على دين خليله، لا بد من الحذر عند اختيار الأصحاب والأصدقاء، فالله قد أخبر أن يوم القيامة من صاحبته سيكون عدواً لك، إلا من كان تقياً مؤمناً: “الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ” (الزخرف: ٦٧)، فهؤلاء يشفع بعضهم لبعض ويسألون عن بعضهم إذا افتقدوا بعضهم في الجنة، والدليل على ذلك أن أهل النار لما يدخلونها ويعذبون فيها، يتنادون ويتندمون يقولون: “فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ” (الشعراء: ١٠٠-١٠١)، إذ لو أن لهم أصدقاء صالحين لما ضلوا أساساً ولكانوا شفعاء لهم يوم القيامة عند الله، فأنت لا تختار صاحباً أو صديقاً في الدنيا، أنت تختار شفيعاً لك عند الله، فزِنْ أصدقاءك بهذا الميزان.

ختاماً، لمالكِ بن دينار، أحد أشهر التابعين، قول بليغ، يقول: “لأنْ تنقل الأحجار مع الأبرار، خير لك من أن تأكل الخبيص (حلوى التمر والسمن) مع الفجار”، وهو الذي كان ينشد:
صاحب خيار الناس تَنْجُ مُسَلَّماً…وصاحب شِرار الناس يوماً فتندما
فالله الله فيمن تصاحبون، والله الله فيمن يصاحب أبناؤكم، فما أنتم إلا من تصاحبون، ورُبَّ صاحب أودى بصاحبه نحو الضلالْ، ورُبَّ صاحب أرقى خليله أعلى الخِلالْ، فصاحب في دنياك خليلاً تعاهده الشفاعة ويعاهدك، وتأمنه في دنياك وآخرتك.

By Sh Jafar Hawa