يزخر تاريخ المسلمين بنماذج مشرقة، خلدت ذكرها بطيب صنيعها، وحلو معشرها، وعدلها واتزانها، لا تمل من ذكرهم وذكر سيرتهم، وذكر بطولاتهم وأمجادهم.. ليس هرباً من واقع أليم، يفتقر لأفذاذ مثلهم، بل استحضاراً لشؤونهم وأحوالهم، وكيف وصلوا إلى ما وصلوا، وأي الطرق سلكوا، وأي السبل اتبعوا، فتكون العبرة والفائدة، والغاية بعدها أن نقتفي خطواتهم، أملاً في الوصول إلى شيء من ما وصلوا إليه وبرعوا فيه.

وإنك حين تستقرئ التاريخ بحثاً عن هذه النماذج، لا يمكن بحال من الأحوال أن لا تسلب فكرك وخاطرك تلك الفترة الذهبية؛ صدر الإسلام، ومشكاته المنيرة، وسلسله العذب الرقراق، النجم الذي لا يأفل، وعبق الزهر الذي لا يذبل، المدرسة الأولى، المدرسة المحمدية وطلابها الأوائل، ورجالها النجباء، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام، وكلهم لرسول الله ينتسب، وكلهم من فيض أدبه وخلقه وعدله ينهل، رسم الطريق وشقه بمداد التضحيات والثبات، وسار عليه الأولون، يقتفون آثاره، ويعززون مساره.. من ألمع هؤلاء، ذلك الرجل الذي يكفيه شرفاً وفخراً أنه إجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك؛ بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب” (مسند أحمد)، فكان أحبهما إلى الله عمر.

هذا الرجل الذي يعرف الكثيرون عن عدله وبأسه في الحق ولأجل الحق، يعرفون نهجه في الحكم بأمر الله وفق مبدأ رسول الله، يعرفون غيرته على دين الله، ويعرفون آثاره فيمن حوله من الصحابة، بل حتى مع من خالف دينه واتبع غير دين؛ فعدله لا يفرق بين أحد طالما أنه إنسان مكرم من الله، وما الدين إلا لله، يهدي إليه من يشاء، وبلغت الآفاق قصة انتصاره لذلك الشيخ الكبير المسن الذي غلبته حاجته أن يمد يده ليسأل الناس، وقد كان ذمياً من أهل الكتاب.. فقال له سيدنا عمر: والله ما أنصفناك، أخذنا منك الجزية شاباً، وأضعناك شيخاً، وفرض له من بيت مال المسلمين.

نعم، يعرف الناس عن سيدنا عمر ذلك، لكن الكثيرون يجهلون كم كان سيدنا عمر رضي الله عنه عادلاً مع نفسه قبل غيره، أنزلها منزلها وأقام لها مقامها، وعرّفها حدودها.. أصلح باطنه، فأصلح الله له ظاهره، بل أصلح الله به باطن الأمة، فربى جيلاً حمل الدين للعالمين، وما انفك يرفع راية الله في الآفاق، فدنت لهم الدنيا، وفتحوا قلوب الناس قبل قلاعهم.

يروى أنه قدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى، فقال عمر رضي الله عنه لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة؟ فقال: نعم، فباتا يحرسانهم ويصليان. فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه، فقال لأمه: اتق الله وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه مرة أخرى، فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه. فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتى إلى أمه، فقال لها: ويحك! إنك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟! فقالت: يا عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك (تريد فطامه). قال سيدنا عمر: ولمَ؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم (تقصد نصيباً من بيت مال المسلمين)، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهراً، فقال: ويحك! لا تعجليه (والمرأة لا تتبين أنه سيدنا عمر رضي الله عنه). ثم صلى الصبح بالناس ولا يستبين الناس قراءته من شدة البكاء، فلما سلّم قال: يا بؤساً لعمر كم قتل من أولاد المسلمين!! ثم أمر مناديه فنادى: لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق.

هذا موقف من مواقفه، ويوم من أيامه، نستذكره ونحن نرى كم هانت أرواح المسلمين وأرواح أطفالهم، كم تضيع حقوق أطفالهم في المجتمع، وكم تساء تربيتهم، وكم يتعامى عن حاجاتهم وعن متطلبات عيش كريم لهم، كم نفقد منهم في مستنقعات الفساد والضلال، كم ينشأ منهم أرباب فكر زائغ ومشاريع فتنة وطغيان، ولا من عمر.. ولا من يوجه كتوجيه عمر، ولا من يسد الثغرة كما فعل عمر. كم يصدق فينا قول الشاعر مستنجداً:
أيــن أنت يــا عُمر؟ هل سمعت ما الخبرُ؟
هل علمت يـا عُمر؟ أنّــا إلـيـــك نـفـتـقـرُ؟

فكُن أنت للأمة عُمر، كن لجراحها بلسماً، ولأطفالها منجداً، ولأجيالها معلماً، وارفع بأمر الله ظماً عن طفل في الصومال، أو ظلماً عن طفل في سوريا، أو جهلاً عن آخر في مصر، أو حرماناً عن رابع في فلسطين، أو في بورما أو في اليمن أو في ليبيا.. والقائمة تطول وتطول، كن أنت اليوم عُمر، وستعرف حينها أين الطريق، وأين ينبغي أن تكون بصمة عُمَرْ!

By Sh Jafar Hawa