حان وقت كتابة هذا المقال، وانتهى رمضان، ومضى العيد، وما زلت أتردد فيمَ أكتب وعن أي شيء أتحدث! وكأن الأفكار تطايرت وتناثرت، وكأن رمضان استنفد حتى أفكارنا… لم أفتأ هكذا حتى وقعت يدي على كتاب لشيخ شامي جليل، توفاه الله منذ سنوات، لكنه خلف وراءه إرثاً عظيماً من العلم تتوارثه الأجيال من بعده وتحيي ذكر اسمه بما أبقاه من الأثر الطيب من بعده، الشيخ وهبة الزحيلي الدمشقي رحمه الله.

لما أمسكت الكتاب وتصفحت فيه أثر فيَّ موضوع كان الشيخ قد كتب فيه، وهو فضل المشي إلى المساجد، وكيف أن المساجد أفضل بقاع الأرض، إليها تحن الروح، وفيها تجد الأنس والسلوى؛ بالله، بذكر الله، بالصلاة على رسول الله، بالتحبب والتلطف مع عباد الله، بالتلاقي والتبسم والتكلم مع إخوانك في الله… وقد أورد – رحمه الله – لأجل موضوعه عدداً من الأحاديث المشهورة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: “صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ (الفرد) بسبع وعشرين درجة”، في الحث على حضور جماعة المسلمين. ومنها أيضاً حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نُزلاً، كلما غدا أو راح”، يقصد عليه الصلاة والسلام من يذهب إلى المسجد في الصباح قبل الظهر أو من يذهب بعد ذلك، كل هؤلاء بفضل ذهابهم لهم عند الله منزلاً ومقاماً في الجنة لمجرد ذهابهم، كيف لو صلوا أو قرأوا القرآن أو قضوا حاجة لعبد من عباد الله؟!

ثم إن أكثر ما أثر في نفسي حقاً، ذلك الحديث الذي أورده الشيخ، في قصة بني سلمة التي رواها جابر بن عبد الله رضي الله عنه، يوم أن أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: “بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟” قالوا: نعم يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: “بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم”، فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا. رسول الله يؤكد على معنى أن آثارهم محفوظة باقية لا تزول بمجيئهم من بعيد وقطع تلك المسافة التي تبعدهم عن المسجد، يذهبون إلى المسجد ويقضون فروضهم وعند الله يلقون جزاء ما قدموا لأنفسهم، وستبقى آثارهم شاهدة عليهم إلى يوم القيامة، وما بعد يوم القيامة حال الحساب والوقوف بين يدي الله سبحانه.

فمن هذه الأحاديث، التي تحث على كثرة الخُطَا إلى المساجد، ومع الأثر الذي يبقى محفوراً في الأرض التي نمشي عليها أثراً طيباً، يُنبت زرعاً أخضراً، يكون جناناً وارفة يوم القيامة، ومع الأثر الذي تركه الشيخ الزحيلي رحمه الله من بعده، أقول أن رسالتنا في هذه الدنيا في أن نُبقي أثراً من بعدنا، يكون شاهداً لنا يوم القيامة بل شافعاً لنا عند الله يوم لا يكاد المرء يلقى شفيعاً، والله سبحانه أخبرنا ذلك في القرآن صراحة قائلاً: “إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ” (يس: 12)، أي حتى آثارنا مكتوبة محفوظة عند الله، فلمَ لا نقدم ونُبقي أثراً؟! قد لا نكون علماء وفقهاء كالشيخ الزحيلي رحمه الله، فنترك علماً أو نترك صدقة جارية في علم ينتفع به، لكن بإمكان كل واحد منا أن يكون مصلياً مخلصاً خالصاً لله، تشهد الأرض عليه ويبقى أثره عليها… وقد انتهى رمضان وخلت المساجد إلا ممن تعودوا حث الخُطا للمساجد في كل حين، في برد أو حر، صيف أو شتاء، ثلج أو مطر؛ فإننا أحوج ما نكون لهذه التذكرة، فمن أثر الشيخ الجليل نأخذ أثراً حتى يكون لنا نحن من بعدُ أثرْ، وبالله التوفيق.

By Sh Jafar Hawa