تشير الدراسات العلمية أن مجموعة التفاعلات والمشاعر التي يعايشها الطفل في سنواته الأولى من حياته تؤسس لديه مجموعة دروس عاطفية، تبقى مدى الحياة كمرجعية راسخة وثابتة للتعامل مع البشر والواقع من حوله؛ وإذا ما استثيرت هذه العواطف عند الكبر يكون أول تصرف يقوم به الشخص هو انعكاس لتلك العواطف الدفينة والتي تُذهل الشخص نفسه بعد حدوثها، وهذا ما يسمى في علم النفس بـ: “اختطاف العقل”.

هذا ما قاله الدكتور وليد فتيحي أحد الأطباء الاستشاريين وغيره من الأطباء، حول أهمية السنوات الأولى من عمر الأطفال، وكيف تسهم في تحديد اهتماماتهم ورغباتهم، في سعي منه ومن غيره من الأخصائيين في دقِّ ناقوس الخطر عند الآباء والمربين حول البيئات التي ينشأ فيها الأطفال اليوم، ليست البيئات العنيفة فقط والتي يكون الطفل فيها ضحية لعنف وتسلط أبوي أو منزلي، أو يكون فيها الطفل مع غيره من الأطفال ضحية صدمات نفسية متتالية جراء الحروب أو غيرها، بل حتى تلك البيئات التي يعيش فيها الطفل حياة مترفة مرفهة، يجد فيها كل ما يرجوه ويتمناه، تُلبى فيها كل مطالبه وتُحقق كل آماله، ويغدو فيها الطفل محور البيت ومركزه والكل يدور في فلك رضاه وتنفيذ أوامره، في ظن كثير من الآباء والأمهات أنهم بذلك يقومون بواجبهم تجاه أبنائهم؛ إذا ما وفروا لهم كل ما يريدون، وإذا كانوا على السمع والطاعة لكل ما يتمنون، كالآلة الصماء، لا تفرق بين مرغوب مسموح وبين مرغوب ممنوع، بين مرغوب ضار وبين مرغوب نافع، وإنما هم في الواقع بمثل هذا التصرفات غير المسؤولة يسهمون في اختطاف عقول أبنائهم!

وقد ثبت علمياً أيضاً أن هناك غدة في دماغ الإنسان، تنمو حين يكون الطفل جنيناً في بطن أمه، عملها عمل آلة التصوير تماماً؛ تخزن كل ما يراه الطفل ويقوم به، من مشاعر وأحاسيس وأحداث وتصرفات له ولغيره، ليستفيد منها لاحقاً ويبني عليها قراراته وأفكاره، وبالتالي أسلوب حياته وشخصيته، وتأثيره ومحددات تأثيره في المجتمع.

خلاصة الأمر أن الدراسات التي تجري في علم النفس على الأطفال حتى يكبروا، وعلى الكبار أنفسهم مع مراعاة ظروف طفولتهم، تقول لكل الآباء والمربين: أعط اهتماماً وعناية بطفلك في الخمس سنوات الأولى من حياته، تجد في المحصلة إنساناً ناضجاً في المستقبل.

الأب والأم بمثابة النوافذ لأبنائهما، بمثابة المرآة التي يرى الأبناء فيها الحياة بعيون آبائهم وأمهاتهم، لديهما الخيار بفتح تلك النوافذ في الأوقات المناسبة، حتى يرى الأبناء جمال الحياة: زهور الربيع، أشعة الصيف، وحبات الثلج البيضاء النقية. ولديهما الخيار بإغلاق تلك النوافذ وقت العواصف العاتية، أو المشاهد المرعبة، درءاً للمفاسد أوالغبار المتطاير حماية لأبنائهم. سلوك الأب والأم أيضاً له الأهمية الكبرى أمام الأبناء؛ فاحترام الزوج لزوجته أمام أبنائه دافع قوي للأبناء حتى يحترموا الأم، والعكس أيضاً. برُّ الأب بوالديه وإحسانه لمن حوله محفز للأبناء حتى يكونوا على ذات النهج والطريق، التزامه بصلاته وتلاوته لقرآن ربه أيضاً مصدر إلهام وإلتزام للأبناء وهكذا دواليك. هذا ما يسمى “التربية بالقدوة”، وهو من أنجع أساليب التربية مع الأبناء؛ إذ أن الأبناء في سنواتهم الأولى يميلون إلى التقليد في كل شيء، فلتكن البيئة من حولهم ملأى بالبرِّ والخير والاتزان، حتى يكونوا كذلك.

ما ذكرت لكم إلا غيضاً من فيض حول هذا الأمر المتفاقم، وحول هذه المشكلة التي تتراكم يوماً بعد يوم، وتؤثر في جيل اليوم والأجيال المتلاحقة؛ إذ أن طفل اليوم هو أبُ المستقبل، ولك أن تتخيل هذا الطفل الذي تربى على الدعة والكسل، الذي تربى على الأنانية المفرطة بتلبية حوائجه كلها دون جهد منه وله على وجه الخصوص، الذي تربى وهو يرى العالم كله بين يديه على شاشات هاتفه وأجهزته الالكترونية، وهو في الواقع قابع في ظلمة بين جدران صماء! ثم إذا ما كبر هذا الطفل اصطدم بواقع يجبره أن يتخذ القرارات وأن يختار أسلوب حياته وطريقه فيها، فينتكس مرات ومرات ويتعلم من أخطائه، ولكن ربما بعد فوات الأوان أو تأخره في بعض الأحيان.

واجب الوقت اليوم أن نلتفت إلى الأبناء، أن نُقِيمَ حياتهم وفق سُلَّم الأولويات، وأن نُقَيِّم حياتهم وفق منهج الله، أن يكون التوازن سيد حياتهم في وقت درسهم ولعبهم، في وقت جدهم ومرحهم… فلا يُقبل مثلاً من الطفل الذي برع في دراسته، وبرع في استعمال كافة أشكال التقنية من حوله، وبرع في كثير من الأمور التي قد يتباهى بها الأبوان وحُق لهم ذلك، لا يُقبل منه أن لا يكون حافظاً لسورة الفاتحة مثلاً، أن لا يحسن تلاوتها وأحكامها، لا يقبل منه إطلاقاً. أي فتح يرجوه الآباء والمربون لأبنائهم وهم ما علموهم سورة الفاتحة حتى! هذا الطفل مسلم، ينبغي عليه أن يعرف هويته، وهوية دينه، وأن يقيم لهذه الهوية مكانة عظيمة في قلبه، ولأنه طفل، فهو يحتاج إلى توجيه الأبوين، وليعلم كل الآباء والأمهات أنهم مسؤولون أمام الله عن هذه الأمانة، مسؤولون أمام المجتمع عن طفل أنجبوه وما ربوه وما علموه كما يجب، مسؤولون عن طفل ما سار على الطريق السليم، بل كان كل همه اللهو واللعب، كل همه أن يقضي وقته كما يشاء في مزاجٍ عالٍ ورفاهية مفرطة… ليتنا نطبق ذلك القول المنسوب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اخْشَوْشِنُوا فإنَّ النِّعَمَ لا تدوم. بحيث يتعود الطفل غياب الأشياء كما يشعر بها حال حضورها، حتى لا تتوقف حياته عليها، والتي ربما تكون توافه في الواقع، ونضمن بذلك ارتقاء الطفل بفكره وعقله مراقي الكبار وتفوقه على أقرانه ومسابقة عمره وزمانه.

أعباء المجتمع المسلم كبيرة، وقضايا الأمة متعددة كثيرة، ولا بد من جيل يحمل على عاتقه خدمة الأمة وخدمة قضاياها، ولكل جيل مسؤوليته والعمل الملقى على عاتقه، وجيل الآباء واجب عليه أن يرعى حق الله في جيل الأبناء، حتى لا تُختَطَفَ عقولهم وأفكارهم أقصى اليمين وأقصى اليسار، بل يكون جيلاً وسطاً عدلاً سمحاً كريماً حازماً حاسماً لا يتنازل عن مبادئ دينه وهوية أمته وأرضه ومقدساته، وأساس ذلك كله ومبدأهُ من البيت، من الأسرة الصغيرة، من الفرد المسلم الواحد، من الأب الذي يحسن اختيار الزوجة، ومن الزوجة التي تُحسن اختيار الزوج؛ فإذا طابت الغِراس أينعتِ الثمار. رحم الله الشاعر الجهبذ مؤيد الدين الطغرائي إذ قال:
قد رشَّحوكَ لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ … فارْبَأْ بِنَفسِكَ أن تَرعَى معَ الهَمَلِ
فلنحمل مهمتنها في قلوبنا وعقولنا على أتم وجه، نذكر بها أنفسنا كل صباح وكل مساء، فنحن مسؤولون، وعلينا أن نهيئَ الجواب.

By Sh Jafar Hawa