بادئ ذي بدء أصلي على المبعوث رحمة وهداية في الدنيا وصُحبة وشفاعة في الآخرة، محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي ما قال قط: اطلُبِ العِلْمَ ولَو في الصين!، بل قال وهو المبلغ بالحق عن الحق: “طلبُ العلم فريضة على كل مسلم” (سنن ابن ماجه)، أمَا وقد عنْوَنْتُ مقالي بما قرأتم فهو لصحة المعنى، وسلامة المُعَنّى؛ الذي قد يجد بُرْءاً لداء جهله في الصين! لكن من غير نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

في المجتمع المسلم في ديار الغرب تجد الكثير من الآباء والمربين يظنون أن مهمتهم تنحصر في جلب أبنائهم وبناتهم إلى المساجد، وهذه غاية المُنى بالنسبة لهم، لكن الحق غير ذلك، نعم، حضورهم للمساجد وعمارتهم لها أمر ضروري محبب، لكن لا يقتصر واجبهم على ذلك، ولا بد أن يرتفع سقف الأماني والغايات؛ في أن نهتم جميعاً بتحصيل العلم والمعرفة من المساجد والمعاهد، ولا نكتفي بالصلاة والمغادرة بعدها، ومِشكاتُنا في ذلك حديث رسول الله آنف الذكر، وخير تفسير له تفسير الفضيل بن عياض، إذ قال: كل عمل كان عليك فرضاً، فطلب علمه عليك فرض.

لو استقرأت آراء الكثيرين من أهل العلم حول العلم الواجب معرفته، والذي لا يسع الجهل به، لوجدتهم يتفقون في ثلاثة علوم وربما يزيد بعضهم عليها، لكن هذه الثلاثة هي الأساس والنبراس، وليس الأمر محض اجتهاد منهم بل هو حقاً مستمد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعروف بحديث جبريل، يوم جاء مرتدياً البياض من الثياب وسأل النبي عن أربعة أمور: الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبر الصحابة أن هذا “جبريل أتاكم يعلمكم دينكم” (صحيح مسلم)، وقوله هذا عليه الصلاة والسلام باعث لنا للإحاطة بهذه الأسئلة وأجوبتها لعلنا نحيط بأساس ديننا ونتعلمه ونطلب علمه وفهمه.

أول هذه العلوم: علم الإيمان كما سُميَ في صدر الإسلام، أو ما بات يُعرف اليوم بعلم العقيدة، ويختص في أن يعرف المرءُ ربَه وأن يعرف أركان الإيمان به. ووجوب هذا العلم في أنه يعرِّفُك الإله الحق الذي تعبد، وكلما ارتقى المرء في معرفة الله كلما ازداد قُرباً منه، وخضوعاً له، وتسليماً لحكمه. يُجيب هذا العلم عن سؤالين من حديث جبريل عليه السلام: سؤاله عن الإيمان، وسؤاله عن الساعة في كونها متضمنة في ركن الإيمان باليوم الآخر.

أما ثاني هذه العلوم فهو علم الإسلام، أو الفرائض، أو الفقه، أو علم افعل ولا تفعل، والذي يحوي علم أركان الإسلام وأحكامها الضابطة لأداء هذه الأركان، وكذلك يحوي علم الحال، والذي يوجب على كل مسلم بحسب موقعه جانباً من العلوم لا بد له من الإحاطة به؛ إذ أن من يعمل بالتجارة عليه أن يتعرف على الحد الأدنى من العلم الذي يسلم من خلاله من الوقوع في الحرام، وكذلك الطبيب فيما يخص مهنة الطب وما يطرأ عليها من إشكاليات وأحكام كثيرة مستجدة، وكذلك المدرس في المدرسة أو الجامعة فيما يخص عمله وأمانة تعليمه وتدريسه، حتى الطالب ينبغي عليه أن يعرف علم وظيفته كطالب في حرمة الغش والكذب، ووجوب إخلاص النية لله في طلب العلم وإن كان العلم دنيوياً، ووجوب معرفة الحدود في تعامله مع زملائه من كلا الجنسين، وألا يجعل للشيطان سبيلاً عليه، يسلبه بركة العلم والتعلم. ومهم للدارس في هذا العلم أن يحيط بعلم كبائر الذنوب حتى يتجنبها ولا يقع فيها، ولا عُذر لجاهل فيها.

وختام هذه العلوم الواجبة بعلم الإحسان، أو ما تعارف عليه الدارسون اليوم بعلم التزكية، وهو العلم الذي يُعنى بصلاح القلوب وصفائها، وحده الأدنى أن يتحقق المسلم بالإخلاص لله، ويتخلص من الكبر والرياء وقوادح الأعمال، أن يميز حقاً بين الإخلاص والرياء، بين التواضع والكبر، بين إثبات المنة لله وبين العُجب. وهذه التزكية هي سبيل رضوان الله في الأخرى وهي تذكرة العبور نحو الجنة: “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة” (البينة: ٥)، فهو سبحانه يعطي خلاصة كل أوامره لعباده بالعبادة مع الإخلاص له، لا انفكاك لأحد منهما عن الآخر، وأكثر عمل الشيطان من هذا الباب.

فهذه العلوم الواجبة، لا بد من السعي في طلبها والتنبيه على أهميتها، ولا تهم فقط من يريد أن يكون عالماً بالشريعة إماماً أو معلماً أو قارئاً، بل تهم كل مسلم ومسلمة، وعن هذا سيسألون يوم القيامة، وحسبكم أخيراً أن تعلموا أن هذا غذاء أرواحكم، فإذا ما تفيأتم ظلال العلم الوارفة، تاقت أرواحكم للمزيد والمزيد، وكل علوم الكون لا تعدو كونها من القليل: “وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً” (الإسراء: ٨٥) وإنما أوجب الله علينا تعلم القليل من القليل، فلا تتأخروا، وبادروا، واستثمروا في أنفسكم وفي أولادكم.

By Sh Jafar Hawa