لا يمكن أن تزول تلك المشاهد المؤلمة المريعة من أذهاننا، ولا من أذهان أجيال أخرى تلحق بنا؛ مشاهد المصلين الآمنين في بيوت الله وهم يرتقون شهداء في يوم مبارك في وقت مبارك في مكان مبارك، في نيوزيلندا، في منطقة لا تكاد تسجل جريمة قتل واحدة سنوياً! حتى تسلط عليها قاتل غاشم، أشاع فيها قتلاً سلب أرواح ما يزيد عن خمسين منهم، وأسال دماء عشرات الجرحى إلى جنبهم، فضلاً عن طعون غادرة غائرة في عقول وأفئدة ما يقارب ملياريْ مسلم، بل قل سبع مليارات من البشر أو يزيد، فلا يمكن أن يقبل أي إنسان يحترم إنسانيته ويقدرها أي اعتداء على أناس مسالمين آمنين يقيمون شعائر دينهم بكل طمأنينة وسلام، في أي مكان كانوا، ولأي ملة انتسبوا، وبأي لون تلونوا.

الحق يُقال؛ أينما وُجدَ الإسلام وُجدَ الأمْن، ولا اعتبار لكل من حاولوا ويحاولون أن يُثبتوا عكس ذلك وأن يَصِموا الإسلام بما ليس فيه ظلماً وزوراً. من لدُنْ آدم عليه السلام، ما كان الصالحون يوماً دعاة قتل أو اعتداء، يشهد لذلك قصة ابنيْ آدم التي ذكرها الله في القرآن في قول ولد آدم الصالح لأخيه القاتل: “لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ” (المائدة: ٢٨)، ثم في دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي دعا بالأمن للبلد الحرام: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ” (البقرة: ١٢٦)، ثم في دعوة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، في خطاب الله للمشركين الذين قطنوا الأرض التي أرادها الله أن تكون مهبط الوحي ومبعث الإسلام الأخير لكل العالمين، قال مُعرِّضاً بهم: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ” (العنكبوت: ٦٧)، فمع كل ما كان يجري حول مكة حينها من قتل وسفك للدماء، وسبيٍ واعتداء، كانت مكة تنعم بالأمان، لأن الله يريدها أن تكون كذلك، لمَ لا وهي مهد الإسلام الأول، وعنوان الأمن والأمان للعالمين؟ هي أم القرى ينبض برسالة السلام قَلْبُها، ويستمد الناس إذا ما توجهوا قِبْلَتَها من أمنِها وطُمأنينتِها.

يا لجمال الإسلام وعظمته! ويا لرِقَته وسماحته! يخاطب الناس باسم السلام، ويدعوهم إليه ليطمئنوا وتهدأ نفوسهم في الدنيا، وينزلوا المنزل المبارك في الأُخرى، يبث الحب بين الناس، ويغذي شجرة الوُدّ والتآلف بينهم، فسيد هذا الدين، محمد صلى الله عليه وسلم قرر ذلك وحث عليه: “أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ” (صحيح مسلم)، وهو الذي عرّف المسلم الحق والمؤمن الحق في حديثه: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ” (سنن النسائي)، وهو عليه الصلاة والسلام من أمَّنَ الناس يوم دخل مكة فاتحاً، عائداً إلى أرضه ووطنه الذي طُردَ منه، يأبى سفك الدماء فيه بل يجعل منه عنوان الرحمة والتسامح؛ فيجعل المنادي ينادي في الناس: “مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ” (سنن أبي داوود).

كان المسجد عنوان الأمن دائماً، كما كل دور العبادة في ديننا، وستبقى عنوان الأمن والأمان ومحط احترام المسلمين أبدَ الزمان، لا يجرؤ أحد أن يعتديَ عليها عملاً بوصية الرسول عليه السلام. لكن أعداء السِلمِ والأمان، أعداء الحضارة والإنسان، يريدون اليوم أن يملأوها خوفاً ورعباً، يظنون أنهم بمنكر فِعلهم ينجحون، وَبالله فشلاً يزدادون، وما الناس إلا إلى الله يتقربون؛ فإذا ما اعتدوا على المقدسات، ومنعوا الأذان والإقامات، أو قتلوا المصلين والمصليات، أو حاربوا حديث الرسول والآيات، أو أغرقوا عقولنا بالفتن والشبهات، وأفسدوا الأولاد والبنات… إذا ما فعلوا، سَتُطل المآذن من أعناقنا، وترتفع القِباب من شوامخ رؤوسنا، ويعلو الحُداء الخالد ملء أفواهنا: الله أكبر من أعدائنا. ستزهر الأرض ريحاناً من دم إخواننا، وتغدو أنهاراً بفيض دموعنا، وتهدأ ساكنة هيبة خُشوعنا، وتضج بالآيات سماؤنا، ولن ينقطع من كون الله ذِكْرنا؛ ففي قلب كل مسلم مسجد، وفوق كل شبر من هذه الأرض مسجد، ولن يعدم المسلم وسيلة حتى يكون مسجداً يمشي على الأرض! ما دام فينا كتاب الله، وما دام فينا حديث رسول الله، وما دامت القيامة لم تَقَم، فوالله ثَمَّ مسجد: “وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ” (صحيح البخاري)، وقد صدق الله وصدق رسول الله. رحمَ الله من عَمَروا المساجد بصلاتهم، بأموالهم وأعمالهم، بأرواحهم ودمائهم وهم عند الله شهداء المساجد، ويا لنعم الفضل والمُقام: “الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” (الأنعام: ٨٢).

الشيخ جعفر حوى