تروي أمنا عائشة الصديقة رضي الله عنها، تقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ، فَقَالَ:‏ “‏أَلاَ أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ؟” (صحيح مسلم).

من هذا الموقف النبوي الشريف حديثي إليكم اليوم عن خلق الإسلام الرفيع الحياء، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “‏إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَإِنَّ خُلُقَ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ” (سنن ابن ماجة). وقال فيه أيضاً: ‏”‏الحياء خير كله” أو قال‏:‏ “الحياء كله خير‏”(مسند أحمد)‏‏.‏ ولو أردتم الحق فإن الحياء ليس مجرد خُلُق بل هو فطرة فطر الله الناس عليها، من كان مسلماً ومن كان غير ذلك، لكن الناس بدلت وغيرت واستحلت بغير أمر الله، الحياء بحق هو خلق الحياة، ولا غرابة أن الفارق بين الحياء والحياة حرف واحد، فمن ملك الحياء ملك الحياة، من فقد الحياء فقدَ الحياة وإن كان حياً، فهو ميت القلب والروح لا شيء يردعه في هذه الدنيا ويوقفه عند حد، وصدق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يوم قال: “إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأولى‏:‏ “إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ”(صحيح البخاري).‏

لما عرّف العلماءُ الحياء، قالوا: هو خلق يحمل صاحبه على إتيان الحميد وترك القبيح، وعرَّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعريف أعمق وأدق فقال: هو “أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى” (سنن الترمذي)، وكأن الحياء يغدو متحكماً بحياتك وتصرفاتك فتحسب حساباً لكل خطوة تخطوها وكل كلمة تقولها.

الحياء خلق مجتمعي إذا ما تمثل الناس به عاد بالنفع عليهم جميعاً، وإذا ما اختل عند بعضهم عاد بالضرر عليهم جميعاً، لذلك من الواجب أن نذكر بذلك ونقول يا عباد الله اتقوا الله في مجتمعكم وفيمن حولكم ولا تكونوا سبباً في الهدم بل كونوا لبنة في البناء، وحتى يتمكن الحياء منا ومن مجتمعنا، هنالك العديد من النقاط التي نتواصى بها:
١- جاء في المعجم الكبير للإمام الطبراني من حديث سعيد بن يزيد الأزدي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “أوصيك أن تستحي من الله عز وجل كما تستحي من الرجل الصالح من قومك”. قد يمتنع الغالب من الناس عن إتيان القبيح من التصرفات أمام الآخرين لكنهم إذا اختلوا بأنفسهم قد يفعلوا، وهذا أمر غريزي وليس نفاقاً، لكن يدرب الإنسان نفسه ليكون في السر كما هو في العلانية. نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق عن التابعي الجراح بن عبد الله قوله: تركت الذنوب حياء من الناس أربعين سنة، فلما جاوزت الأربعين أدركني الورع فتركتها حياء من الله. أربعون سنة يدرب نفسه على الحياء حتى نجح في ذلك.
٢- لكل واحد منا “عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد” (ق: 17-18)، إذا ما استحضر المرء وجود ملائكة الله إلى جنبيه استحيا وخجل أن يعصي الله وهم يرقبونه ويراقبونه، وما شأنهم إلا أن يحصوا عليه أفعاله وأقواله.
٣- ربوا أولادكم على الحياء منذ الصغر، يروى أن سهل بن عبد الله التستري العالم الزاهد قال: قال لي خالي يوماً: يا سهل! ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قلت: فكيف أذكره؟ قال: عند تقلبك في فراشك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: “الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي”، فقلت ذلك، ثم أعلمته فقال: قُلها كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتُك، ودُم عليه، إلى إن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة. فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت له حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل! من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهده، يعصيه؟ إياك والمعصية. كان يربيه على الحياء من الله واستشعار وجود الله في كل لحظة منذ نعومة أظفاره.
٤- من أهم ما يُعين على الحياء، الصحبة والبيئة المحيطة بالمرء، فلْيتخيرْ كل واحد منا أصحابه ودائرته التي يعيش بها حتى لا يخسر نفسه ويُنتزعَ حياؤه؛ فمن الناس من إذا اجتمع بقوم استحيا أن يذكرهم بالصلاة حتى لا يستهزئَ به أحد منهم، يستحي من فعل الطاعة ولا يستحي من حصول المعصية! أما إذا ما كان مع أهل الله فالحال يختلف، يذكرهم بالله ويذكرونه به ويا نعم الصحبة تلك.
٥- أخيراً، مقام الحياء مقام شريف لا جزاء له إلا الجنة، وعد الله بذلك في قرآنه: “وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى” (النازعات: 40-41)، فإذا ما عرف المرء هذا الجزاء كان هذا دافعاً له للحياء من الله والحياء من الناس والحياء من نفسه التي فيها نفخة من روح الله، فيستحق ذلك المقام ويستحق ذلك الجزاء.

الشيخ جعفر حوى