عندما كنا صغاراً، كنا نحاجي بعضنا أحجية فنقول: عيد وسعيد كانا معاً، ذهب سعيد، فمن يبقى؟ فيجيب المجيب بكل ثقة: عيد! فيقوم السائل ويكرر أحجيته مرة أخرى: عيد وسعيد كانا معاً، ذهب سعيد، فمن يبقى؟ لتتكرر الإجابة نفسها مرات ومرات، ليدرك فيما بعد ذلك الواثق الذي لا يمشي ملكاً أنه سيبقى يدور في حلقة مفرغة من السؤال والجواب الذي هو أمر بإعادة السؤال! بهذه الأريحية والبساطة كنا نفهم العيد، إذ “عِيد” في أحجيتنا تلك تعني: أَعِدْ، فعل الأمر الذي فيه معنى الإعادة والتكرار، وهل العيد إلا المتكرر في كل مرة بعد انتظار طويل، وشوق جليل؟.

مع إطلالة هلال عيد الفطر المبارك، نستذكر إطلالة هلال رمضان المبارك الذي قال الله في حقه: “أياماً معدودات” لتُصامَ وتُقامَ وتُملأَ بالخيرات والطاعات، لتثمر تلك الخيرات والطاعات لحظات معدودات في هيئة العيد، ولا أدري أيهما يمرُّ خاطفاً أكثر من الآخر؛ أَرَمضانُ أمِ العيد؟ تقولون العيد يوم، ورمضان شهر، فكيف يستويان؟ أقول عودوا إذن إلى أحجية الصغار، لتعلموا أن العيد لا حد له ولا نهاية لآماله وأفيائه إلا أن يأتيَ عيد آخر! إنه عَوْدٌ على عَوْدْ، والأمر محكوم هنا للنسبة والتناسب؛ إن شئتم فقولوا إن يوم العيد أسرعُ من أسرعِ يوم في رمضان!.

لطالما ارتبط اسم العيد بالسعادة؛ فتارة يقولون مهنئين: عيد سعيد، وتارة يقولون مخبرين: جاء العيد السعيد… وكأن العيد لا يكون إلا سعيداً، بل حتى لا يُتصور أن تأتي مفردة العيد ذاتها إلا والسعادة في ثناياها تشعُ بالبسمات والمسرات، تضج بضحكات الصغار، وتعبق بأحاديث الكبار، تطرب بتغاريد العصافير في صباح العيد المشمس الجميل، ونسيمه العليل. عيدٌ سعيدْ، ولا يكون إلا كذلك، نتعبد الله بتلك السعادة، وأكثر العُبّادِ تعبداً في ذلك اليوم من أظهر السعادة أكثر، وأَنِسَ وآنَسَ خلق الله أكثر، فإن ذهب سعيدُ أحجية الصغار، فإن سعيدَنا بادٍ ما عليه غُبار.

بالحديث عن صباح العيد، ألا تتفقون أن شمس صباح العيد ليست كما كل شمس؟ متفردة متميزة، مشعة مشرقة، هل الشمس في صباح العيد تشاركنا بهجتنا أيضاً؟ تمر بأطيافها الساحرة وأشعتها السائرة، لتنساب على الوجنات بَسَمَاتٍ متناثرة، تتسلل من بين أوراق الربيع الخضراء تداعب عيوننا، فنديرها دَعَةً لا انزعاجاً، صَلفاً وابتهاجاً، نجمع بين نقيضين؛ حُبِها، وإشاحةِ الوجه عنها! تلك شمس العيد، تعود في كل صباح لتجدد معني العيد، كما كنا نحاجي ونحن صغار! تغيب عند المساء، لكنها تعود وتعود مع كل صباح، هِيَ هِيَ، لكنها مع العيد مازجت معنى العودة من جديد، فأغْرَمَتْنا، وأَسْدَلَتْ معنىً رقيقاً على أفئدَتِنا!.

كان العيد يا أحبة ليبتهج كل عائد إلى الله، بعد شهر من القُرُبات والطاعات، وسُمي عيداً ليُعيد إلى أذهاننا ما كنا طيلة الشهر نتنعم به ونتقلب في لذائذه؛ مذاق العودة والأوبة لله، ففي معنى العيد معنى العودة، وفي معنى العيد معنى التكرار… فإذا ما انتهى رمضان فلا يعني هذا أن العودة إلى الله والتوبة بين يديه قد انتهت، بل عَوْدٌ على عَوْدْ، عنوانه وشعاره: الله أكبر، كلما ضَعُفتَ وبَعُدتَ ذكّرتك “الله أكبر”، كلما نسيتَ وغفلتَ أعادتك “الله أكبر”، كلما عدتَ وأتيتَ ثَبَّتَتكَ “الله أكبر”، وإمعاناً في العودة والتكرار بعد مرات ومرات من التكبير، تجدك تلهج كما ملايين المسلمين في العالم أجمع: “الله أكبر… كبيراً”، إمعانٌ في العيد، وإمعان في التكبير… كل شيء في العيد فوق الزيادة، فوق الحد، وكل زيادة فوق الحدِ ضِدْ، إلا في العيد؛ ففي كل زيادة منه بُدْ!.

عباد الله… كل عام وأنتم بخير، بل كل عام كونوا أنتم الخير، مقبولين بإذن الله في رمضان، ومغمورين بسعيدِ عِيدْ، أخيراً: عيدُكُم عِيدْ، وعِيدُ عِيدٍ عُيدُكُمْ!..

الشيخ جعفر حوى