عندما بلغ الحسنَ البصري – وهو من أئمة التابعين – خبرَ موت الحجاج سجد شكرا لله تعالى وقال: اللهم عقيرك وأنت قتلته، فاقطع سنته وأرحنا من سنته وأعماله الخبيثة، ودعا عليه[1]. وقد روي نحو هذا الصنيع عن جماعة من أكابر التابعين كإبراهيم النخعي، وطاووس بن كيسان، وأبي عمرو بن العلاء، وعمر بن عبد العزيز – رضي الله عنهم أجمعين – أنهم فرحوا أشد الفرح حين بلغهم مهلِك الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فمنهم من بكى فرحا، ومنهم من سجد لله شكرا، ومنهم من تلا قول الله تعالى: “فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين”[2].

تلقي هذه الحادثة الضوء على منهج علماء الأمة، وسلفها الصالح تجاه قضية دار حولها الكثير من الجدل قديما وحديثا، وهي الموقف الذي ينبغي أن تتبناه الأمة تجاه الطغاة والظلمة، خاصة حال موتهم وهلاكهم.

فإنه لربما يحلوا لبعض من أنس بالعبودية قلبا، واستمرأت نفسه الذل والمهانة، من عامة الناس، وعلماء السوء، أن يتباكى – صادقا أو كاذبا – على موت الظلمة وهلاك الطغاة، ولربما احتجوا ببعض النصوص الشرعية، وفسروها بما يتوافق مع أهوائهم وغاياتهم، كحديث “اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ”[3] وحديث ” لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا”[4].

ويضرب هؤلاء بعرض الحائط مئات النصوص الشرعية، والمبادئ الإسلامية التي تنهى عن الظلم، وتحذر منه، وتدعوا إلى محاربته بمختلف الوسائل، بل وتؤكد أن هلاك أمثال هؤلاء إنما هو نعمة من نعم الله تعالى ينبغي أن تقابل بالفرح والشكر، كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً”[5].

وحتى لا نقع في شباك دعوات أصحاب الورع البارد، الذين ينهون الناس عن الدعاء على الظلمة والمفسدين في الأرض، ويشنعون عليهم إظهار الفرح والسرور بمهلكهم، وما يجري عليهم من الويلات جزاء ما اقترفت أيديهم، بل ولا يتورع هؤلاء عن الترحم على هؤلاء الطغاة، والدعاء لهم، والتباكي على مصارعهم، وربما أيدوا صنيعهم الباطل هذا ببعض النصوص الشرعية، والمقولات المنقولة عن بعض أئمة السلف، فيلبسون على عامة الناس، ويلقون في نفوسهم أن الإسلام قد يتسامح مع الظلمة – أحياء أو أمواتا – ويمنع من التعرض لهم بما يفضح مخازيهم، ويكشف عن مساويهم.

فكان لزاما أن نبين المنهج الإسلامي الأصيل تجاه هذه القضية، من خلال دراسة هذه القضايا الثلاث:

  1. حكم الدعاء على الظالمين، وسؤال الله تعالى أن يعجل ببوارهم وهلاكهم.
  2. الفرح بهلاك الظالمين، وإظهار السعادة والسرور بموتهم، والشماتة بهم فيما يجري عليهم من عاجل العقوبات الإلهية.
  3. حكم فضح مساوئ الطغاة، وتعداد مثالبهم، وكشف مخازيهم، سواء حال حياتهم أم بعد هلاكهم.

وسيكون مستندنا في هذا المقام النصوص الشرعية الصحيحة، وما نقل من صنيع السلف الصالح من علماء الأمة وفضلائها، التي تكشف لنا عن الموقف الإسلامي السليم تجاه هذه القضايا.

أما القضية الأولى: فقد تواترت الأدلة الشرعية على أن من حقوق المظلومين مواجهة ظالميهم بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الدعاء عليهم، وسؤال الله تعالى أن يعجل بهلاكهم وبوارهم، وقد قص علينا القرآن الكريم دعاء نوح – عليه السلام – : “رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا”[6]، ودعوة موسى وهارون – عليهما السلام – على فرعون وقومه: “رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ”[7].

وقد نقلت لنا سيرة نبينا – صلى الله عليه وسلم – تطبيقه لهذا المبدأ عمليا، فقد دعا على نفر من قريش بعد أن اشتدوا في أذاه[8]، ودعا على مضرٍ – قومِه –[9] ودعا على بعض قبائل العرب بأعيانها حين غدروا بأصحابه في حادثتي الرجيع وبئر معونة[10]، ودعا على كسرى أن يمزق الله ملكه[11]، ودعا على الأحزاب[12]، ودعا – عموما – على الكفرة الذين يحاربون الإسلام ويؤذون عباد الله المؤمنين[13].

فهذه النصوص الصريحة الصحيحة تفيد – بما لا يدع مجالا للشك – بأن من المشروع – إن لم يكن من الواجب والمستحب – الدعاء على من اشتد ظلمه وطغيانه، وسؤال الله تعالى أن يهلكه ويدمر ملكه وسلطانه.

كما أن تحذير الرسول – صلى الله عليه وسلم – من دعوة المظلوم وبيانه لخطورتها[14] دليل على الإقرار بها، والتسليم بحقيتها، إذ كيف لا يكون بينها وبين الله حجاب[15]، ويقول فيها رب العزة والجلال: “وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”[16] ما لم تكن عملا مرضيا عند الله تعالى؟!

فإن قال قائل: فما بال النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد سُئل أن يدعوا الله على المشركين، فقال: “إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً”[17]، بل كان يدعوا للمشركين بدل أن يدعو عليهم[18].

والتوفيق بين الأمرين أن الأعم الغالب من أمره – صلى الله عليه وسلم – إنما كان على رحمة الخلق، والرأفة بهم، وتغليب العفو والصفح والمسامحة، رجاء أن يكتب الله عز وجل للمخطئ المغفرة، وللضال الهداية، وللمبتلى العفو والعافية؛ ولهذا لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم قط أنه دعا على مسلم في حياته، إلا أشياء يسيرة معدودة، في مقامات خاصة، فلم يكن صلى الله عليه وسلم لعانا ولا سبابا لأحد رغم المواقف الشديدة التي واجهها في حياته بسبب بعض المعاندين والمستكبرين، ولربما أطلعه الله سبحانه على ما سيؤول إليه حال من يدعو لهم أو عليهم، كما أنه – صلى الله عليه وسلم – قد أوتي من الحِلم، والقدرة على الصفح والمغفرة ما لم يؤت غيره.

وهذا لا يتنافى من دعائه على الطغاة الظالمين، الذين تجاوزوا في ظلمهم الحد، واشتدوا في أذية المؤمنين، ومحاربة الإسلام والمسلمين، كما تبين من الأحاديث السالفة.

فإذا تقرر ذلك، علمنا أن الدعاء على الظلمة مبدأ مشروع، ومنهج مقرر في الإسلام، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “والدعاء على جِنْسِ الظالمين الكفار مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ به، وشُرِعَ القُنُوتُ والدعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والدعاءُ على الكافرين”[19]. بل نقل العلماء الإجماع على ذلك[20].

على أن الدعاء على الظلمة لا ينبغي أن يكون طريقنا الوحيد في مواجهة الظلم والتصدي للظالمين، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يعتمد على الدعاء وسيلة وحيدة لمواجهة الظلم والطغيان، بل إنما واجه أعداء الدين بالعمل والقوة والمجاهدة، ثم كان يلجأ – بعد بذل الوسع واستفراغ الجهد – إلى اللجوء إلى الله تعالى داعيا متضرعا، كما فعل في غزوة بدر وغيرها.

أما القضية الثانية: وهي الفرح بهلاك الظالمين، وإظهار السعادة والسرور بموتهم، والشماتة بهم فيما يجري عليهم من عاجل العقوبات الإلهية، فقد تواردت عليه النصوص الشرعية، والنقولات عن خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين؛ بل إن القرآن الكريم قد أشار إلى السماوات والأرض تفرح بهلاك الظالم، كما قال تعالى في حق هلاك فرعون وقومه: “فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ”[21]. ويزيد الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذا المعنى وضوحا حين مرت به جنازة فقال: “مُستريح ومُستراح منه” فقالوا: يا رسول الله، ما المستريح وما المستراح منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “إن العبد المؤمن يستريح من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب”[22]. وإن فعل السلف الصالح يدلل على هذا المعنى ويؤكده، فقد سجد أبو بكر – رضي الله عنه – شكرا حين جاءه خبر قتل مسيلمة الكذاب، كما سجد عليّ – رضي الله عنه – شكرا حين وجد ذا الثُّديّة بين قتلى الخوارج، كما تقدم صنيع جماعة من أفاضل التابعين حين بلغهم خبر هلاك الحجاج.

وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الفرح بما كان ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد[23] من المصائب، هل عليه في ذلك إثم؟ فقال: ومن لا يفرح بهذا؟[24]

فإن قيل: أليس إظهار الفرح بهلاك الظالم، وما ينزل به من المصائب، نوع من الشماتة، والشماتة في الموت ليست من شيم الكرام، والميت إنما تجوز عليه الرحمة، ولا يجوز أن نَذكره بسوء أو نشمت به أو نفرح لموته مهما كانت أفعاله في الدنيا، ولربما احتُجَّ لذلك بحديث: “اذكروا محاسن موتاكم، وكُفُّوا عن مساويهم”.

والجواب: أن الشماتة المنهي عنها إنما هي في حق عامة الناس، الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، أما الطغاة والمتجبرون، الذين ملؤوا الأرضَ ظُلمًا، وأذَلُّوا عباد الله واستباحوهم، وجعلوا أيامهم على الأرض شقاءً وكدحًا، ونال أذاهم القاصيَ والداني، فالفرح في موتهم إنما هو في حقيقته تقرُّب إلى الله تعالى بالاعتراف بقدرته جل شأنه على تحقيق وعيده بالقِصاص من الظالمين[25].

وإن صنيع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليؤكد لنا بوضوح مشروعية إظهار الشماتة والتوبيخ والتقريع – بله الفرح والسرور – في مثل هذه الأحوال، فقد وقف – صلى الله عليه وسلم – على شفير القليب الذي ألقي فيه قتلى المشركين يوم بدر فقال مقرعا لهم وموبخا: “جزاكم الله شرًّا مِن قومِ نبيٍّ؛ ما كان أسْوأَ الطَّرْد وأشدَّ التكذيب!” فقال أصحابه: يا رسول الله، كيف تُكلِّم قومًا جَيَّفُوا؟! فقال: “ما أنتم بأفْهَم لقولي منهم”[26].

وبما سبق، يتبين أن الفرح بهلاك الطغاة الظالمين، وأعداء الإسلام والمسلمين، وما ينزل بهم من المصائب والقوارع، وما يعجل لهم من العذاب والبلاء، أمر مطلوب شرعا، بل هو علامة من علامات الإيمان، والولاء للحق والعدالة، فإن المؤمن يفرح بما يكون فيه شفاء صدور المقهورين، والنَّصَفَة للمظلومين، والانتصار من الظالمين، كما قال تعالى: “وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ”[27].

أما القضية الثالثة والأخيرة، فهي ما يتعلق بموقف الإسلام من فضح مساوئ الطغاة، وتعداد مثالبهم، وكشف مخازيهم، سواء حال حياتهم أم بعد هلاكهم.

وقد فضح القرآن الكريم الكثير من الظلمة، وكشف الأسرار عن ممارساتهم الظالمة، كما نجده فيما قصه علينا القرآن حول فرعون وقومه، وغيرهم من الأمم الهالكة. كذلك نجد أن القرآن لم يتردد في كشف المخططات الخبيثة، والأساليب الدنيئة التي انتهجها أعداء الله ورسوله، والمتأمل لسورتي براءة والمنافقين يجد ذلك واضحا بلا لبس ولا ريبة.

وقد جعل الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – ثناء المؤمنين بالخير أو الشر على الميت مقياسا لخيريّته، وكاشفا عن حاله في الدار الآخرة، وما ينتظره عند خالقه من رحمة أو عذاب، فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَجَبَتْ”. ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: “وَجَبَتْ”. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: “هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ[28].

وهذا الحديث واضح الدلالة في إقراره – صلى الله عليه وسلم – بالثناء على الميت بالشر إن كان مستحقا لذلك. ولا شك أن الظلمة والطغاة هم من أحق الناس بتعداد مثالبهم، وفضح مظالمهم، كما قال تعالى: “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم”[29] وقد بيّن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن ارتكاب الظلم مناط مشروعية إيقاع العقوبة بالظالم، واستحلال عرضه بذكر المظلوم لمظلمته وإعلانها للناس[30]. ومن هنا نص العلماء على جواز غيبة الظالم لغرض دفع ظلمه، واستيفاء الحق منه، والقصاص منه دون عدوان[31].

ولا فرق في ذلك بين أن يكون الظالم حيا أو ميتا، فإن المظالم لا تسقط بموت صاحبها.

فإن قيل: كيف يجوز ذكر شر الموتى مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلا بخير؟ فالجواب: أن النهي عن سب الأموات إنما هو في غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق أو بالبدعة، فإن هؤلاء لا يحرُم ذكرُهم بالشر للحذر من طريقهم ومن الاقتداء بهم[32].

وإن المتجرد للحق يجد أن مثل هذا الحكم إنما ينطبق أشد ما ينطبق في حق الحكام والأمراء، فإن ظلم الطغاة منهم أعظم، وبطشهم أشد، وهم أمكن وأعظم قدرة على إيقاع الظلم من غيرهم، فكانوا بالتشنيع عليهم أحقّ، وكان التشهير بظالمهم أوجب، حتى يرتدع من تسول له نفسه أن ينهج نهجهم ويسلك مسلكهم، إذ لا حرمة ولا قدسية في الإسلام لمنصب من المناصب، أو عامل من العمال، إلا بمقدار ما يقوم بحق الله في ذلك، ويراعى حرماته فيما وُلّي من أمر عباد الله.

هذا وإن قيام هؤلاء بشيء من الأعمال الصالحة، والإنجازات النافعة، لا يبرر السكوت على ظلمهم، والتجاوز عن طغيانهم، فالحجاج – مثلا – لم يكن خليا عن أعمال جليلة، وإنجازات عظيمة، تحققت للإسلام والمسلمين في عهده، على مختلف الصُّعد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية[33]، لكن ذلك لم يغفر له عند صلحاء الأمة وفضلائها ما ارتكبه من المظالم والفظائع، فما قولنا في أقوام تولوا أمور المسلمين، فلا عدلا أقاموا، ولا نصرا للإسلام والمسلمين حققوا، بل تاريخهم مليء بالهزائم والانكسارات والتنازلات، والتفريط في مقدرات الأمة، وتضييع مقدساتها، وإن كان ثمة لهم انتصار، فعلى الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها بحكم الحديد والنار، فكيف لا يٌفرح بهلاك أمثال هؤلاء، وكيف لا يسعد المسلم ببوارهم وزوالهم، وبما يعجل الله لهم من العقوبات في الدنيا قبل الآخرة.

أختم مقالتي بما يلي: إن المعركة بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، معركة مستمرة ما استمر بقاء الجنس الإنساني على هذه الأرض، والأيام فيها دول، فمرة ينتصر الحق ويتحقق العدل، ومرة يعلو لواء الباطل، ويقام ميزان الظلم، وإن المتأمل لحال زماننا هذا، ليجد دون عناء أن الصولة اليوم إنما هي للباطل في معظم الميادين، على أن الله تعالى قد جعل للنصر أسبابا، ينبغي أن يأخذ بها أهل الحق حتى يعيدوا رفع راية الحق، وإعلاء لواء العدالة، وإن من العجز الركون إلى الدعة، والاستكانة للظالم، منتظرين أخذ الله له في الدنيا، أو عقابه له في الآخرة، بل إننا مطالبون بمجابهة الظالمين، ومواجهتهم ومجاهدتهم على قدر الجهد والطاقة، وفي مختلف المحافل والميادين، وبمختلف الوسائل والأساليب المشروعة، كل في مجاله الذي يجيده، وتخصصه الذي يتقنه، ومع ذلك لا نغفل عن التضرع لله، والدعاء بنصر المؤمنين، وهلاك الظالمين، ولو بعد حين.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

 

[1]  الأصبهاني: حلية الأولياء 2/126.

[2]  شعب الإيمان للبيهقي، حلية الأولياء للأصبهاني، الشكر لابن أبي الدنيا، الطبقات الكبرى لابن سعد، معرفة العلل والرجال لأحمد بن حنبل، البداية والنهاية لابن كثير.

[3]  أخرجه أبو داود ( 4900 ) الترمذي ( 1019 ) وضعفه فقال : هذا حديث غريب سمعتُ محمَّداً – أي : الإمام البخاري – يقول: عمران بن أنس المكي منكر الحديث.

[4]  أخرجه البخاري (1329).

[5]  الأحزاب: 9.

[6]  نوح: 26.

[7]  يونس: 88.

[8]  عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لاَ أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ – وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ -، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْعَى، فِي القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ) رواه البخاري (240) ومسلم (1794).

[9]  عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: اللهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدَ، اللهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ) رواه البخاري (1006) ومسلم (675).

[10]  عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ القُرَّاءُ، زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا، إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ) رواه البخاري (1002) ومسلم (677).

وبخصوص هاتين الحادثتين الأليمتين في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – راجع: الرحيق المختوم للمباركفوري ص 265، 267 وما بعدهما.

[11]  المباركفوري: الرحيق المختوم 324.

[12]  عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: (دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ) رواه البخاري (2933) ومسلم (1742).

[13]  أخرج الإمام أحمد في المسند (24/ 247) أنه – صلى الله عليه وسلم – قال: (اللهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ) وصححه الألباني في ” صحيح الأدب المفرد ” (ص260).

[14]  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ثلاثة لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ” رواه الترمذي (2525) ، وصححه الألباني في (صحيح الترمذي: 2050).

[15]  عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بعث معاذاً إلى اليمن وقال له: “اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”. (رواه البخاري ومسلم).

[16]  الحديث أعلاه.

[17]  أخرجه مسلم في صحيحه (2599) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[18]  أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قَدِم طُفيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِي وأصحابُهُ على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وأَبَتْ؛ فادْعُ الله عليْها؛ فقيل: هَلَكَتْ دَوْس، قال: “اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وائتِ بهم“.

وأخرج الترمذي عن جابر – رضي الله عنه – قال: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ (وذلك في قتالهم قبل أن يُسلموا) فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: “اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا“. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ (سنن الترمذي رقم 3877).

[19]  مجموع الفتاوى 8/335.

[20]  ممن حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن ” 2/486.

[21]  الدخان: 29.

[22]  أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة بن ربعي الأنصاري.

[23]  وكان من أكابر المعتزلة، ومن رؤوس فتنة القول بخلق القرآن.

[24]  الخلال: السنة 5/121.

[25]  بتصرف من: https://www.alukah.net/sharia/0/102063/#ixzz6F7nDhGm2

[26]  أخرجه الإمام أحمد في المسند 17/580 (رقم: 25248) عن عائشة، وإسناده صحيح.

[27]  الروم: 4، 5.

[28]  أخرجه البخاري (1301)، ومسلم (949).

قال النووي: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرا كان من المنافقين.

قال الحافظ ابن حجر: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على الذي أثنوا عليه شرا وصلى على الآخر. اهـ. (فتح الباري 3/272).

[29]  النساء: 148.

[30]  أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ. وأخرج أبو داود من حديث الشريد بن سويد الثقفي أن رسول الله صلى الله وسلم قال: “ليُّ الواجدِ يحلُّ عرضَهُ وعقوبتَهُ” وحسنه الألباني.

[31]  ابن تيمية: مجموع الفتاوى 28/229.

[32]  العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري 8 / 195.

[33]  راجع في ذلك مقالتي: عاقبة الطغاة بين محاكمة التاريخ الإنساني ومحكمة العدل الإلهي.