من عجيب ما ذكره الرحالة ابن بطوطة في رحلته، أن الصلاة كانت تقام في المسجد الحرام بمكة المكرمة بأربع جماعات، حيث يصلي أتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة خلف إمام مستقل، قال: ويدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط، فربّما ركع المالكي بركوع الشافعي، وسجد الحنفي بسجود الحنبلي، وتراهم مصيخين كلّ أحد إلى صوت المؤذن الذي يسمع طائفته لئلا يدخل عليه السهو.[1]

قد يبدو هذا المشهد مستغربا في عصرنا الحاضر، ولكن، هذا ما كان عليه الحال طوال فترة ليست بالقصيرة من فترات التاريخ الإسلامي التي أصيبت فيها الحركة الفقهية بنوع من الركود والجمود، أدى إلى بلوغ التعصب المذهبي فيها مستويات خطيرة، مما تسبب في ردة فعل عنيفة لا نزال نجد آثارها في واقعنا المعاصر.

تحدثت في المقالة السابقة عن المذاهب الفقهية، وعرّفت بحقيقتها وأسباب انتشار بعض المذاهب دون غيرها، خاصة المذاهب الأربعة، لما توفر لها من الظروف العلمية والاجتماعية والسياسية المناسبة، ولما حظيت به من الخدمة والتنقيح على أيدي أتباعها من العلماء والفقهاء، ونتيجة لوصول العديد من العلماء إلى قناعة بأن خدمة علم هؤلاء الأئمة والعناية به أجدى من الاجتهاد الفردي والاستقلال بمذهب جديد، ظهر ما يعرف بالتمذهب والتقليد المذهبي، والذي تطور لاحقا إلى تعصب أتباع كل مذهب لمذهبهم وإمامهم، وتفضيلهم له على سائر المذاهب.

نقرأ في هذا الصدد ما كتبه إمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ / 1085 م)، من أكابر علماء المذهب الشافعي، في كتابه (مغيث الخلق في ترجيح القول الحق): “نحن ندعي أنه يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقا وغربا، بعدا وقربا انتحال مذهب الشافعي … بحيث لا يبغون عنه حولا، ولا يريدون به بدلا”[2].

بل إن الأمر قد بلغ عند بعض فقهاء المذاهب إلى درجة معاملة أتباع المذاهب الأخرى وكأنهم من غير المسلمين، فبعضهم يريد فرض الجزية على غير أتباع مذهبه من المسلمين، وبعضهم يفتي بعدم جواز الزواج من نسائهم إلا قياسا على الذميات من اليهود والنصارى[3]. إلى أن تطور الأمر – بدعم وتوظيف من الأطراف السياسية المتصارعة على السلطة في كثير من الأحيان – إلى وقوع الاقتتال بين أتباع المذاهب المتناحرة، واستباحة كل منهم دماء الآخر[4].

وكردة فعل على هذه الممارسات، التي تتعارض مع فكر أئمة المذاهب الفقهية أنفسهم، فضلا عن تعارضها مع المبادئ الإسلامية الأصيلة، ظهرت حركة أخرى تدعو إلى نبذ المذهبية الفقهية جملة وتفصيلا، والرجوع إلى مصادر الشريعة الأصلية لاستنباط الأحكام الشرعية منها بشكل مباشر. وقد ظهرت جذور هذا التوجه عند علماء المدرسة الظاهرية، وعلى رأسهم ابن حزم، ثم عند الشوكاني والصنعاني من المتأخرين، إلى أن استقرت مؤخرا لدى بعض التيارات المعاصرة، خاصة التيار السلفي.

وهذا المنهج – رغم ما يحسب له من بعض الإيجابيات – إلا أنه قد تسبب في فوضى فقهية، تمثلت في تنكب الضوابط السليمة للاجتهاد، كما نشأ عنها نوع جديد من التعصب لآراء الشيوخ المعاصرين، تحت مسمى التعصب للسنة والدليل، إضافة إلى دور هذا النهج في تغذية العديد من التيارات المتطرفة التي ظهرت في عصرنا الحاضر، فكأننا خرجنا من نفق التعصب المذهبي المظلم إلى متاهة اللامذهبية المربكة.

والحق أن الإشكالية لا تكمن في المذهبية، ولا في اللامذهبية، بل إنما تكمن في التعصب الأعمى للآراء، فإن التعصب – بمختلف أشكاله، الأيديولوجية والمذهبية والسياسية – يؤدي إلى عدم تفهم الآخر، وبالتالي عدم إمكانية التعاون معه والاستفادة منه، وفي النهاية تقسيم الأمة وتفريق صفها.

والحل يكمن في نشر ثقافة التفهم وتقبل الآخرين، وحل الخلافات من خلال الحوار والمناقشة العلمية، مع مراعاة تحقيق المصلحة ووحدة الصف ما أمكن، من خلال البحث عن الأرضيات المشتركة مما يساعد على معالجة التعصب بكافة مظاهره وأشكاله.

إن فقهاء الأمة، المتقدمين منهم والمتأخرين، لم يلزموا الناس بآرائهم ومذاهبهم، ولا هم ادعوا فيها الصوابية المطلقة، وإنما بينوا أنها اجتهادات تحروا فيها الحق ما أمكنهم، فمن شاء تابعهم عليها، ومن شاء تابع غيرهم، ولم ينصبوا مذاهبهم وآرائهم بديلا عن الإسلام أو قيّما عليه، وإنما فعل ذلك من تعصب لهم من بعدهم، فحاد بذلك عن قويم نهجهم وجميل صنيعهم، وهنا يحضرني قول الإمام الشافعي رحمه الله موضحا المنهج السديد في هذا الأمر: قولي صواب ويحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ ويحتمل الصواب.

والله تعالى أعلم وأحكم.
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

 

[1]  ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة)، ط. أكاديمية المملكة المغربية – الرباط – 1417 هـ. 1/397-398.

[2]  الجويني: مغيث الخلق في ترجيح القول الحق. المطبعة المصرية – الطبعة الأولى – 1352 هـ / 1934 م. ص16 بتصرف يسير.

[3]  نقل ابن كثير في (البداية والنهاية) عن محمد بن موسى الحنفي، أنه قال: لو كانت لي الولاية لأخذت من أصحاب الشافعي الجزية. وكذلك نقل الذهبي في (العبر) عن أبي حامد محمد بن محمد البروي الطوسي من فقهاء الشافعية مثل هذا القول في حق الحنابلة. وقد انتقم هؤلاء الحنابلة منه بأن دسوا له السم في صحن حلوى أهدوها له مع امرأة، فأصبح ميتا.

ابن كثير: البداية والنهاية 12 / 187. الذهبي: العبر في خبر من غبر 3 / 52.

[4]  من ذلك – على سبيل المثال – ما نقله ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 323هـ في بغداد: وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم … وكانوا إذا مرَ بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعِصِيّهم حتى يكاد يموت.

ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8 / 307 – 308. وراجع مقدمة تحقيق د. عبد المجيد تركي لكتاب شرح اللمع للشيرازي، حيث ذكر بعض ما كان يجري بين الشافعية والحنابلة من الاقتتال المذهبي في بغداد، وما وراءه من التحريك السياسي بسبب صراع النفوذ بين الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي ووزيره نظام الملك.