خلال تصفحي لعدد من الأحداث والتطورات التي نشأت في حقل الطب وتطوره المذهل المتسارع، أثار انتباهي خبر متعلق بأقدم مستشفى في الولايات المتحدة الأمريكية والذي أُسس في العام 1751 ميلادية على يد بنجامين فرانكلين أحد مؤسسي أمريكا نفسها، وما يزال قائماً إلى الآن في مدينة فيلادلفيا من ولاية بنسيلفانيا، ولعل الغاية الكبرى من هذا المستشفى منذ تأسيسه وحتى الآن هو تقديم الخدمة الطبية للمرضى من خلال الأطباء الذي يقومون بذات الوقت بتدريس الطب للطلبة، ويمارس الطلبة ما يتعلمونه في هذا المستشفى، فالغاية منه علم وعمل معاً.

أعادني هذا الخبر إلى بداية الطب فعلياً عند العالم الغربي، والتي تعد متأخرة نوعاً ما إذا ما قورنت بتجربة العرب المسلمين؛ إذ أن الاعتقاد الذي كان سائداً في الكنيسة الغربية حتى القرن الثاني عشر الميلادي هو أن المرض عقوبة من الله لا ينبغي صرفها عمن يستحقها، فكانت صناعة الطب محرمة لدى الكنيسة آنذاك، بينما كان العرب المسلمون قد بدأوا حقاً بصناعة الطب وتقدموا فيها واستفادوا من غيرهم وأفادوا منذ أوائل القرن التاسع الميلادي، وأكثر من برع في هذا من المسلمين: أبو الطب ابن سينا، وأبو بكر الرازي. واعتُمدَ في ذلك التحليل العلمي، وطُورت المستشفيات الثابتة والمتنقلة التي كانت تسمى “بيمارستانات”، وأخذت التسمية من الفارسية ولعل الفكرة من أساسها فارسية أيضاً، ومورستِ الجراحة العامة، ومارست النساء هذه المهنة، وقد بدأت النساء هذه المهمة قبل غيرهم لما أثبتوه من براعة في الحروب في تطبيب المقاتلين ومعالجة جراحاتهم، وما كان المسلمون بمعزل عن هذا بالطبع منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في المعارك والغزوات، بل قُل حتى قبل إسلامهم، في الجاهلية وحروبها، وما أكثر حروبها!

في الوقت الذي نرى فيه تقدم الطب اليوم والسرعة المذهلة في الاكتشافات الطبية، والأبحاث التي تتكلف مئات الملايين من الأموال، يجب علينا أن نعرف كيفية الموازنة بين هذا التقدم العلمي، في الجانب الطبي خاصة، وبين ما جاءنا في كتاب الله تعالى في بيان أن القرآن شفاء للناس: “ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ” (الإسراء: 82)، وما جاء أن العسل فيه شفاء للناس في الحديث عن النحل: “يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ” (النحل: 69)، وبين ما جاء من أحاديث عن رسول الله فيما يُعرف اليوم ب”الطب النبوي”، حول توصية الرسول صلى الله عليه وسلم باستعمال الحبة السوداء مثلاً والعسل وماء زمزم وتمر المدينة، والحجامة وغيرها من الأساليب العلاجية التي عُرفت في ذلك الوقت، حتى الأحاديث التي تتحدث عن الرقية الشرعية وكيفية التعامل مع المريض روحياً وجسدياً، بصرف النظر عن درجة صحة تلك الأحاديث. لا بد من وقفة لفهم هذه الأمور جيداً، ومحاولة الاستفادة منها جميعها ومعرفة حدود هذه الاستفادة، خصوصاً في حالة اللبس التي قد تحصل لبعض الناس، فيظن أنه بقراءة بضع آيات على المريض من شيخ حافظ أو راقٍ متمكن سيكون بهذا الشفاء التام بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز حقاً، ولا نشك قيد أنملة أن الله قادر على شفاء المريض دونما أسباب أو بأسباب، لكن الأمر ليس بهذا الفهم المتواضع البسيط. وكذلك يظن البعض أنه باتباع بعض السنن التي نُقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرجات متفاوتة، كإجراء الحجامة للمريض مثلاً أو التضلع بماء زمزم أو تناول أصفى أنواع العسل إلى جانب الحبة السوداء مع سبع تمرات من تمر المدينة صباحاً، يظنون أن السقيم سيغدو بريئاً من كل ما يعتلج جسده من الأمراض التي استعصت على أعتى الأطباء ربما، كذلك نقول أن الأمر لا يؤخذ هذا المأخذ المتواضع البسيط.

أقول: لا شك أن الإنسان إذا كان يشكو مرضاً ظاهراً يعرفه الأطباء ويعرفون علاجه ويعرفون كل أسراره، فيجب عليه أن يتجه إلى الطب ويطلب العلاج لدى الأطباء، والله ورسوله ودين الله يأمر بذلك، وينهى عن أن يتكل المرء ويلقي بنفسه إلى التهلكة ولا يطلب العلاج لنفسه حال المرض، وإذا فعل فهو مقصر في حق نفسه ويتحمل إثم ذلك، ثم إذا ما بذل أسباب ذلك وتلقى علاجه لدى الأطباء نقول له: إلى جانب هذا وقبله وبعده، عليك بتلاوة القرآن والرقية الشرعية، وبإذن الله تشفى، وتكون قد بذلت وسعك ولن يضيع الله لك جهداً. ويكون دور القرآن هنا أن يطيب خاطر المرء، يلهمه الصبر على البلاء، يعالج روحه التي أتعبها المرض؛ فيكون متصلاً بربه سبحانه، الذي خلق الداء والدواء، الذي أنزل المرض والشفاء، فيقوى بقوة الله، وتقوى همته وعزيمته بفضل كلام الله.

وأما ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ويقوم به من أساليب علاجية وأدوات طبية، تناقلها الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم، فيجب أولاً أن نعلم أن هذا كان أفضل ما وصل إليه الناس في ذلك الوقت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عاش في زمانه، وما عاش خارج الزمان، لذلك أخذ بأفضل ما وصل إليه علم العالمين في حينها، ولو اتبعنا سنته تلك اقتفاء لأثره صلى الله عليه وسلم لا شك لنا الأجر الوفير لقاء نياتِنا، ويجب ألا يكون هذا على حساب التقدم الطبي والعلمي في هذا الزمان، إذ لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بيننا اليوم، هل كان ليدير ظهره لهذا العلم وهذا التقدم الباهر؟ بل على العكس، كان ليأخذ به ويتداوى به ويوجه الناس إليه، ودليلنا في ذلك هو احترامه صلى الله عليه وسلم للعلم والعلماء، وحثه على تعلم علم الآخرين والاستفادة منه، وإفادة المجتمع به، وتوجيهه صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة لطلب العلم والعودة لخدمة المجتمع المسلم بما تعلموه وحفظوه. لذلك فهذه الأساليب والأدوات يُؤخذ بها استئناساً لمن أراد، واتباعاً للسنة كذلك، إلى جانب التداوي المتوفر اليوم…

هذه لفتة لا بد من أخذها بعين الاعتبار، بشيء من الوعي والفهم لما جاء في النصوص المقدسة لدينا نحن المسلمين، ولا يُفهم منها أننا ندعو للاستغناء عن هذه النصوص، وتغليب ما وصل إليه العلم المادي اليوم، بل هي محاولة للموازنة في الاستفادة من هذا وذاك، ولا يزعزع هذا إيماننا بالله كما قال إبراهيم الخليل عليه السلام: “وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ” (الشعراء: 80).

By Sh Jafar Hawa