لا يخفى على أحد أنك إذا أردت أن تقيسَ مقدارَ تقدمِ أمة وحضارتها، فلا بد من النظر في أمرين مهمين: جانبِها المدني، وجانبِها الثقافي… أما مدنيتها فهي جانبها المادي بكل ما يتعلق به من تطور عمراني في البناء والشوارع والطرق والجسور والمصانع والتقنية، وكذلك ما يتعلق بهذه الأمور المادية من العلوم كعلم الهندسة بأشكالها التي تسهم بهذا البناء المادي. أما جانبها الثقافي فهو كل ما له علاقة بتصورات تلك الأمة وعاداتها وأسلوب حياتها وما تعتمده من أخلاقيات ونظم وقوانين تضبط بها واقعَها للوصول إلى مستقبلها المرجوِّ وما يتعلق بذلك من علوم فكرية تسهم في بناء العقول كالعلوم الإنسانية والأدبية، وبشكل خاص العلوم الدينية، التي تربط الإنسان رابطاً روحياً يكون دافعاً له للعمل والتقدم. وقد عدَّ المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- العقيدة الدينية لأمة ما، عدَّها سبباً رئيساً باعثاً على التحضر والنهضة، وإذا ما تخلى الإنسان عنها فإنه يفقد ذلك المحرك ويعود إنساناً بدائياً، وإن تفوق في ماديته، فإنه يبقى مسلوب الروح.

عند النظر في تاريح الحضارة الإسلامية ونهضة أمة المسلمين، نجد أن مما تميزت به حضارة الإسلام أنها مستمدة من القرآن الكريم بالدرجة الأولى والمحفوظِ من النقص من عند الله، وهو المنطلق لكل تحول حضاري لهذه الأمة، وهو النقطة المرجعية التي ينبغي أن تعود كل الأفكار والخطوات عندها حتى تؤكد صحتها أو عدم ذلك، لذلك فهي لا تندثر ولا تنتهي، نعم تخبو همتها ويغفل أبناؤها، لكن لا تنطفئ جذوة الإيمان فيها.
لا شك أن كل حضارة بمدنيتها وثقافتها لا يمكن أن تكون لولا وجود الإنسان؛ إذ هو العنصر الأساسي في البناء، ولأجله يكون هذا البناء، لولاه ما كانت ثقافة ولا مدنية. وإذا ما وُجد لدينا القرآن الذي هو المرجع والمنطلق لحضارة المسلمين، يبقى فقط أن نُعد الإنسان المسلم الذي يبني الحضارة، ويترك أثراً في هذه الأرض، وهذا الذي ألفت نظركم إليه اليوم، من هو الإنسان الذي نريد؟ وما السبل التي ينبغي علينا أن نسير خلالها لنبني هذا الأنسان؟ لن أستطيع الإحاطة بكل جوانب هذه الفكرة، بل إنما هي شذرات أنثرها لعلها تجد محلاً في العقول والقلوب.

بعد الحرب العالمية الثانية خسرت ألمانيا الكثير من أرواح أبنائها، ما يقارب خمسة ملايين منهم قتلوا، ناهيك عن الجرحى والمصابين، ناهيك عن حجم الدمار الذي لحق بطول البلاد وعرضها، ثم التقسيم الذي تبع المعاهدات التي أجبرت عليها ألمانيا… كل ذلك وأكثر، إلا أن ألمانيا نهضت بعد ذلك بعقود نهضة عظيمة، لها عدة أسباب لا شك، لكن من أهم أسبابها: الإنسان؛ فقد كان يطلب من كل عامل أن يعمل 8 ساعات من أجل نفسه، وساعتان من أجل بناء ألمانيا، بحيث صار الشعب كله شريكاً في هذا الهدف، وكلهم يعرف أن عليه مسؤولية ينبغي أن يتحملها. ونحن المسلمين لدينا في كتاب الله ما يدفعنا لذلك ويجعلنا نقف عند مسؤولياتنا: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” (التوبة: 105)، يكون الإنسان المسلم مسؤولاً أمام الله وأمام رسوله وأمام الناس، فيثير ذلك فيه حس المسؤولية، ويبعث في قلبه شعلة الحماس. وكذلك جاء في الأثر: “كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثُغر الإسلام، الله الله لا يؤتى الإسلام من قبلك”، فيحاسب الواحد فينا نفسه؛ أن قراراته وأفكاره لن تؤثر عليه وحده، بل هو بمفرده جزء من مجموع الأمة، والأمة تتأثر بما يُحدثه أبناؤها، فقد يمنع القطر من السماء بذنب واحد منهم، وقد يُسقى الناس بدعوة واحد منهم يُقسم على الله فيبره أيضاً.

ثم إن الله يقول: “هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا” (البقرة: 29)، “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (لقمان: 20)، الله سبحانه سخر الكون كله بسمائه وأرضه للإنسان لأجل أن يعمل ويبني، وعلى لسان نبي الله صالح عليه السلام قال: “اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود: 61)، أي طلب منكم عمارتها، فيما ينفع ويترك أثراً وخيراً للعالمين، فالقانون الإلهي العادل صريح عادل: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ” (الرعد: 17). يطلب الله منا العمل والحركة فيما يبقى وينفع، في ذات الوقت الذي يذمُّ فيه سبحانه قوم عاد: “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ” (الشعراء: 128-129). كانوا يختارون المكان المرتفع أو المشرف المميز من الأرض ويبنون عليه المباني المرتقعة الشاهقة بذخاً وإسرافاً واستعراضاً دونما حاجة للبناء، سماه الله عبثاً لأنه إسراف في ما لا حاجة به، إذ يريدون الخلود لأنفسهم وأنّى لهم ذلك؟! ويريدون الخلود لأسمائهم بعد فنائهم من خلال ما يتركون من الآيات الجميلة في البناء. غاب أنهم أنه “أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ” (المائدة: 78). وصاروا مضرباً للمثل في الخسران، والهلاك بعد العمران، والفناء بعد الحضارة والبنيان: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ” (الفجر: 6-8)، لكن أين هي اليوم؟ لا ذكر لها ولا تبيان، مطمورة تحت الرمال لا أثر لها، لأنهم اعتدوا وطغوا “وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة؟ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون” (فصلت: 15)، فهي حضارة بنيت على التكبر والغطرسة والإسراف فاندثرت وانتهت. حتى لا نكرر أخطاءهم مرة أخرى، يقص علينا القرآن قصصهم وأحوالهم.

فكل فرد في الأمة مسؤول محاسب، يُسهم في حضارة الأمة ونهضتها إن هو أراد، وكل منهم يكمل ما لدى الآخر، وكل منهم محتاج للآخر، أساس التواصل والتعامل لديهم ومفتاحه هو تقبل الآخر، واستثارة بذرة الخير لدى العالمين… فالأمة التي كان شأنها مُتمَثلاً بقول الله: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ” (آل عمران: 64)، غايتُها الجمع لا التفريق، سبيلُها اللطف لا العنف، مع من خالف دينَها وعقيدتَها، فضلاً مع من حمل رايتها واحتكم إليها… فيجب عليها أن تكون أكثر لطفاً، وأحرص جمعاً على أبنائها ومن انتسب إليها: “كونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره” (رواه مسلم). فإذا ما كانوا كذلك، رجعوا إلى بوابة التاريخ بحضارة القلوب، ولَعمري لهوَ أشد بهاءَ من العمران، وأبلغ أثراً في الإنسان، فإذا ما صَفَتِ النفوس، اشتدَّ ترابُط الأبدان، ورجع المجتمع المسلم لأصله: “كالبنيان يشد بعضه بعضاً” (صحيح البخاري).

By Sh Jafar Hawa