إن أكثر ما يشغل بال الآباء والأمهات في مثل هذه الأيام هو كيفية تربية أبنائهم التربية الصحيحة الصالحة، ويظن كثير منهم إن لم يكن مجموعهم أن تربية أبنائهم تبدأ منذ ولادة هؤلاء الأبناء، والحق أن تربية الأبناء تبدأ من لحظة اختيار الزوج زوجتَه، من لحظة اختيار شريك الحياة، وقد صدق من قال أن أول حقوق الأولاد أن تختار أُمهم بعناية فائقة.

من خلال هذه المقال سأتحدث عن إعداد الآباء لا عن تربية الأبناء، بل بالأخص عن إعداد الأمهات، لتتحمل مسؤوليتها بعد الزواج مع زوجها، وبعد الإنجاب مع أبنائها، إذ ليس من مسؤولية الزوجات إعداد الطعام وكي الثياب وغسل الأطباق وشراء الحاجيات، وإن فعلت، فهذا من حُسن تَبَعُّلِها لزوجها، والمرأة إن أحبَّت زوجها فعلت ما فوق ذلك بكثير، تُثري في البيت السكينة والطمأنينة التي أخبر الله عنها في كتابه.

إن واجب المرأة المسلمة الأول هو إعداد الجيل المسلم الذي يحمل ‬ دين الله في قلبه، ويعمل لأمته بيده، ويكافح عن قضاياها بلسانه، ويفتدي عزها ومجدها بروحه… ومن أجل إعداد ذلك الجيل لا بد حتماً أن تُعد المرأة نفسها أولاً، كما سطر حافظ إبراهيم الشاعر المصري ذلك في أبيات خالدة:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

فيا أيتها المرأة المسلمة، أيتها الأم الملهمة، حباً بالله لا تستقلي منزلاً أنزلك الله إياه، لا تستقيلي عن مهمة أعطاها لك الله.
‪‬‬
وحتى تُعدَ المرأة المسلمة الجيل المسلم الذي نفتقد إليه، لا بد أن تُعدَ نفسها، بالعلم والمعرفة، باتباع الهدي النبوي، واقتفاء أثر أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وللمرأة المسلمة فيهن أسوة حسنة… فهذه عائشة رضي الله عنها العالمة المفتية، قال فيها الإمام الزُهري‬: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، بل زد فوق هذا ما قاله الحاكم في المستدرك: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْعِلْمِ وَالشِّعْرِ وَالطِّبِّ مِنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِين”، وقد ألف الإمام بدر الدين الزركشي كتاباً ذكر فيه كل المسائل التي قيل أن عائشة استدركتها على الصحابة، وسماه “الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة عن الصحابة”.

هذه عائشة استحقت بحق أن تكون أم المؤمنين، ونحن نريد من أمهات اليوم أن يكن أمهات لأبنائهن، يأخذن على عواتقهن عهد التربية والتقويم، عهد التنشئة السليمة والتعليم… قبل أن يبادر الآباء بدفع الأبناء للعلم يتعلموا هم، قبل أن يرجو الواحد لولده أن يقرأ القرآن أو يحفظه، يقرأه الآباء ويحفظونه، فيكونوا خير قدوة وأفضل مثال.

إن من أهم ما تُعِدُ به المرأة نفسَها، دينُها وخُلقُها، ومقام هذا بيوت الله وحِلَق الذكر والعلم، فادفعوا بنسائكم إلى المساجد، إلى حلقات العلم، يتعرفن دين الله وأحكام الحياة، يكن لكم أعواناً على الخير، ينشئون أبناءكم التنشئة التي يرضاها الله ورسوله، ولا يقولن قائل صلاة المرأة في بيتها، أو مقام النساء البيت وليس المسجد… إذا كان رسول الله قد أذن لهن حقاً، كما في حديث نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَار؟ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‏”لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ‏”‏‏.‏
وفي راوية أبي داود من أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “‏لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاَتٌ‏”‏، أي من غير تعطر، وهذه وصية لكل النساء لامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا ما خرجن إلى المساجد.

خلاصة الأمر: إذا طابت البذرة طابت الثمرة، وقد قالوا المرأة نصف المجتمع، ولكنها إن أرادت واستعدت واستقامت فإنها كل المجتمع؛ هي نصفه، وتُعد النصف الآخر!.

الشيخ جعفر حوى