الإسلام دين جميل يحث على الجمال في كل تفاصيله، ويدعو إليه ويرغب فيه؛ فالله جميل يحب الجمال، ومحمد صلى الله عليه وسلم جميل كأنه قطعة البدر كما اجتهد واصفوه… وجمال هذا الدين جلي واضح في مبادئه وعباداته الروحية والتعاملية على حدٍ سواء، ولا يخفى هذا على ذي لب؛ فنظرة خاطفة في سيرة النبي المصطفى عليه السلام تنبئك كم اهتم بالذوق العام والآداب الهامة التي ترسم معالم المجتمع وتميزه عن غيره.

من القضايا الهامة التي اهتم بها رسول الله ليكون المجتمع المسلم مجتمعاً مميزاً ذا ذوق عالٍ، علاقة الفرد بالفرد الآخر، بدءاً بإلقاء السلام والمصافحة كما نصت أحاديث صحيحة منها: “‏ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا‏”، ومنها: “‏يُسلمُ الراكِبُ على الماشي، والماشي على القاعد، والقليلُ على الكثير”. واقع الحال أن هذه التحية وهذه التعاملات التي قد لا يلقي لها البعض بالاً تبني جبالاً من المودة والألفة في قلوب أبناء المجتمع الواحد فيغدو واحداً بحق، بل إن رسول الله زاد فوق ذلك لما سُئل أي الإسلام خير؟ قال: “تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف”، فقد يكون سلامك وتحيتك على أحد ما سبباً في أخوة عميقة حتى وإن كنت لا تعرفه؛ فالسلام فيه حسن النوايا وجميل الطباع وأمان الله لعباده… يكفي أنها تحية أهل الجنة في جنة يحييهم بها الله وملائكته ويحيي بعضهم بها بعضاً.

من الآداب والذوقيات النبوية أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‏”‏إياكم والجلوس في الطرقات‏”‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدٌّ؛ نتحدث فيها‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه‏”‏ قالوا‏:‏ وما حق الطريق يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏غض البصر وكف الأذى ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر‏”. وإن كان الحال المجتمعي تغير وما عاد مفهوم الطريق اليوم كمفهوم الطريق قبلاً، لكن تبرز الحاجة لمثل هذه الذوقيات عند الجمعة والجماعات، وعند تجمع الناس في المساجد والمناسبات، فليزمهم حينها إعطاء الطريق حقه ومستحقه، ومدخل المكان الذي يدخل منه الناس ويخرجون إنما هو عين الطريق حقاً، فعليهم التزام الآداب النبوية في مشيهم ووقوفهم وكلامهم، فلا أذى لواحد منهم ولا ضرر ولا حرج.

لا يغيب عن ذهن مسلم منا فتح رسول الله لمكة المكرمة ورجوعه إليها معززاً مكرماً، قال يومها مخاطباً أهل مكة من المشركين: “من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن”. لماذا أعطى الرسول عليه السلام لأبي سفيان هذا الشرف، وهو الذي آذى رسول الله سنيناً طويلة؟ ولو فعل الرسول غير ذلك لأُعذِر وما أنكر عليه أحد، لأنه أراد أن يحفظ لأبي سفيان ماء وجهه وهو سيد قومه، أراد أن يؤلف قلبه للإيمان بلطف السجية وحسن العشرة وطيب اللسان، وهذا من طيب أصله عليه السلام وحسن ذوقه ورُقيّه الذي تعجز الدنيا عن إحاطته، يعلمنا أن نُنزِل الناس منازلهم، وهو عليه السلام القائل: “إِذَا أَتاكُم كريم قومٍ فأَكرموه”، فيغدو هذا قانوناً لكل مسلم يحترم فيه الناس ويقدر مكانتهم، وإن خالفوه وإن عادوه، لربما يكون هذا السبيل إلى قلوبهم فتتغير وتصلح كما فعل أبو سفيان، فكان مسلماً صِنديداً كما كان مشركاً رِعديداً، أسلم وحسُن إسلامه رضي الله عنه.

هذه بعض الذوقيات النبوية التي لا بد أن تجد مكانها في قلب كل مسلم ومسلمة، وللحديث بقية حول ذوقيات أخر، فيها الفوائد والعبر بإذن الله.

By Sh Jafar Hawa