أما رمضان فكلكم تعرفونه، وأما البِلاد، فهذا مصطلح يقصد به المغتربون العرب في أمريكا بلادهم التي جاءوا منها، بل بالأخص يقصدون به فلسطين بالدرجة الأولى، ودرج تداوله على ألسنة الناس كثيراً، فصار يفهم منه البلاد العربية على اختلافها بحسب المستخدم لهذه اللفظة.

أما رمضان في البلاد فأمر مختلف تماماً، لا نود الحديث عن أمر الطاعة والعبادة فيه، ومن هذا الشيء الكثير بحمد الله، فبلادنا عامرة بذكر الله، بل نقصد به ظواهرَ خاصة بشهر رمضان، على سبيل المثال: المُسحراتي، الذي لا بد ويمر على كل شارع من شوارع الحي، ولكل حي مناديه، ولكل حي مسحراتي خاص به، “يا نايم قم وحد الدايم”، بهذا النداء الفطري الصادق كان صوت أبو محمد المسحراتي يُبَحُّ وينقطع، وبطبلته الكبيرة التي كان يطرق عليها طرقاً يخترق الجدران والآذان، كل الحي كان يصحو موحداً الله مصلياً على رسول الله، صوت ألفناه منذ الطفولة، وغادرنا نحن المكان وهاجرنا ومازال هو يصدح في جنبات الحي، ومازال موحداً في هدأة السَحَرْ… يقابلك وجهه في فجر كل يوم من أيام رمضان، ويبارك لك في العيد ويأخذ عيديته رضياً بها، قنوعاً بقليلها وكثيرها.

وإذا ذُكر رمضان فكيف لي أن أنسى القطائف؟! فإحضارها واجب يومي على كل بيت من بيوتات بلادنا، طابور طويل جداً قبل أذان المغرب بساعات على المخابز والمحال، والناس كلهم ينتظرون نصيبهم من القطائف… يتجاذبون أطراف الحديث الذي لا ينتهي إلا بعد استلام قطائفك، ودعوة صديقك بعدها: “تفضل عندنا بعد التراويح على القطائف… جيرة الله عليك أن تأتي”، وفي كل يوم تتكرر الدعوة، وفي كل يوم لا يأتي، هذا أمر معروف مسلَّم به، لكن كما يقولون في بلادنا: “على الأقل كلمة تقال”، وتنتهي التراويح، وتعود لبيتك بين أحبابك وتتلقف تلك القطيفات الساخنة، وتدعو الله بدوام النعمة وتمام الصحة، فلَعمري كم هي ملأى بالقطر والسكر!

بلادنا جميلة وطيبة، طيبة بروح أهلها وأبنائها، وكل ما فيها طيب وجميل، عشنا فيها لحظات لا شك كانت من أجمل لحظات العمر، واليوم في الغربة نعيش مع أبنائنا أجمل لحظات العمر أيضاً، في الوقت الذي نستذكر فيه نحن ذكرياتنا وأشواقنا، يبنون هم ذكرياتهم في هذه البلاد، وسيذكرونها لاحقاً. وهذا حال الدنيا، وليس المقصود من الذكرى إثارة الحسرة والأحزان، بل إثارة الشوق والحنين واستذكار الطيبين، نذكرهم فيكونون أُنساً لنا، وإن اغتربنا وابتعدت سفننا عن شاطئ الوطن الذي ولدنا فيه، فالوطن في القلب، وأينما كان قلبك فثمَّ الوطن، والأرض أرض الله، وأي مكان تقيم فيه دينك وأمرَ ربك فهو وطن. وأما القطائف فهي عابرة للحدود؛ فلا تخلو منها المخابز العربية في أمريكا أيضاً.

By Sh Jafar Hawa