قد دار الزمان دورته، وأهل علينا هلال ربيع الأول مرة أخرى، حاملا معه ذكرى غاليه على قلب كل مسلم، ذكرى مولد ربيع الوجود، رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان ميلاده أعظم هدية للعالم، وأعظم حدث في التاريخ الإنساني، ذكرى تستحق منا أن نقوم بحقها من الشكر لله تعالى عليها، والاحتفال بها بما يليق بمقامه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه.
وقد كان صلى الله عليه وسلم أول من نبهنا إلى هذه الحقيقة، ووجوب شكر الله تعالى على تلك النعمة الإلهية العظيمة، حيث أنعم على الإمة الإنسانية بولادته صلى الله عليه وسلم وإخراجه إلى الوجود، بعد أن ملئت الأرض ظلما وجورا، حتى مقتهم رب العزة والجلال، ولذلك فإنه صلى الله عليه وسلم حين سئل عن صيامه يوم الإثنين أجاب بأنه يوم ولد فيه، وأنزل عليه القرآن فيه ؛ فكان يصومه شكرا لله. وقد أخذ العلماء من ذلك مشروعية صيام الأيام التي تتجدد فيها ذكرى نعم الله على عباده، كيوم عاشوراء، ويوم مولده صلى الله عليه وسلم .
لقد كان السلف الصالح على تواصل دائم مع ذكراه العطرة، حيث كانت هذه الذكرى ماثلة أما أعينهم وفي قلوبهم في كل وقت وحين، لا تختص بيوم محدد من أيام العام، فقد شغف حبه قلوبهم، وأخذ عليهم مشاعرهم وأحاسيسهم. فهذا أنس بن مالك – رضي الله عنه – بلغ من شدة تعلق قلبه برسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يراه في منامه في كل ليلة ، ويقول: “إني لأرجو أن ألقى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأقول: يا رسول الله خويدمك .
وهذا بلال – رضي الله عنه – كلما أذن بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم – فبلغ (أشهد أن محمدا رسول الله) خنقته العبرات لذكرى رسول الله، فلم يستطع إتمام الأذان، حتى استعفى من الأذان، وترك المدينة إلى بلاد الشام مجاهدا، فلما كان ليلة رأى الرسول في منامه يعاتبه على طول بعاده عنه، وعدم زيارته له، فما كان منه إلا أن ارتحل راحلته ميمما قبر حبيبه – صلى الله عليه وسلم –، فلما فرغ من زيارته أقبل على سبطيه الحسن والحسين يضمهما، فقالا: نشتهي أن نسمع أذانك يا بلال، فلما أذن ارتجت المدينة وضجّ أهلها بالبكاء. وعندما حضرته الوفاة بكت زوجته، فقال لها: لا تبكي! غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه .
هذه نماذج من التعلق الدائم برسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي كان عليه أصحابه والسف الصالح من بعدهم.
أما في حياتنا المعاصرة، التي طغت عليها المادية المفرطة، وأثقلتها بتكاليفها وتعقيداتها، فقد أصبحت الغفلة عن هذه القضايا ديدنا لمعظم أفراد المجتمع، بل بلغ الأمر إلى حد الجهل بسيرته وأحواله، الذي تسبب بنوع من الجفاء تجاهه – صلى الله عليه وسلم – لدى كثير من المسلمين أنفسهم، لذلك أصبح لزاما اغتنام مثل هذه المناسبة، وبات أمرا ضروريا لكل مسلم استذكارها واستحضارها، كي نجدد محبته في قلوبنا، ونقوي به ما ضعف من رابطتنا.
وإن من أعظم ما نقدمه في هذا الخصوص، أن نجعل هذه المناسبة نقطة انطلاق لأنفسنا كمسلمين – قبل غيرنا – لنعمق معرفتنا برسولنا الكريم، ونمتن علاقتنا بهديه القويم، ليكون دليلا لنا في مختلف شؤون حياتنا، وهاديا لنا في أسرنا ومجتمعاتنا.
وإن من أعظم الجوانب التي ينبغي أن نوليها عنايتنا، أن نتعرف أكثر على حياته الشخصية والأسرية، ما هي طبيعة معيشته؟ وكيف كان يقضي يومه؟ وكيف كان يتعامل مع أهل بيته؟ وكيف تعامل مع الخلافات والإشكالات التي لا يخلوا منها بيت من البيوت؟ كل هذه الأسئلة وغيرها، سيتم الإجابة عنها من خلال سلسلة من المقالات التي تعرفنا عليه وعلى أسرته وبيوته عن قرب، وتعطينا رؤية من الداخل لذلك البيت النبوي الذي ينبغي أن يكون نموذجا يحتذي في كل بيت من بيوتنا. وما هذه المقالة سوى مقدمة لهذه السلسلة، وبطاقة دعوة لقضاء أجمل الأوقات في ضيافته، وأمتع اللحظات في صحبته، في رحاب تلك البيوت المباركة، والحجرات الطاهرة، (في بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم).
نسأل الله أن يمدنا فيها بمدد من عنده عونا وتوفيقا، وأن يجعلها سببا لشفاعته لنا يوم نلقاه، فنسعد به في جنات النعيم جليسا وأنيسا ورفيقا، وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسار على خطاهم وتحقق بأحوالهم وحقق اتباعهم تحقيقا.
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

1 أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
2 نبه على هذا الأصل الحافظان ابن حجر والسيوطي.
3 أخرج الإمام أحمد في المسند وابن سعد في الطبقات عن أنس بن مالك أنه قال: “ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي”. ورجاله ثقات.
4 أخرجه أبو يعلى، وفيه الحكم بن عطية، وثقه أحمد وغيره، وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح.
5 هذه المرويات عن بلال – رضي الله عنه – وردت متفرقة في عدة مصادر، لا يخلوا بعضها من ضعف.