في ذلك الحي الصغير الوادع، وفي يوم من أيام الصيف المعتدلة، خرج الناس من مسجد الحي وقد أدَّوْا صلاة العصر في جماعة، وتفرق الناس كل إلى حاجته، وأمام المسجد مباشرة حيث البناء ذو الطوابق الخمسة، جَمعٌ من الفتيان، أكبرهم سناً لم يتعد السابعة عشر من العمر، كان عددهم كبيراً، يملؤون الطريق… ثم ما لبثوا أن اختفوا عن الأنظار خلف شيخ لهم. نزلوا ذلك الدرج المكون من سبعة عشر درجة إلى الطابق الأرضي، وفتح شيخهم الباب بمفتاحه الذهبي، وانطلق الفتيان إلى الداخل، واستلم كل منهم مصحفه كأنما يستلم كنز الكنوز، وكم مرة تعالت أصواتهم وتعاركوا من سيأخذ المصحف الأخضر الجديد! الذي أُهديَ لحلقتهم مؤخراً؛ لأن صفحاته سميكة، براقة مشرقة، ألوانها زاهية، ليس كتلك المصاحف التي تناقلتها الأيدي كثيراً على مر سنوات حفظ الأولاد في هذا المكان.

استلموا مصاحفهم وتوزعوا على فُرشٍ متقابلين، فُرش موزعة بجانب الحائط تماماً على طول المكان وعرضه، يجلس الفتيان كلٌ منهم في مكانه، رافعاً رأسه، يشد صدره باتزان، ممنوع أن يسند ظهره إلى الحائط! فهذه دَعَةٌ وجلسة لا تليق بمن يحفظ القرآن كما تعلموا؛ لأن فيها من الراحة والانبساط والكسل ما فيها، وحافظ القرآن ملؤه النشاط والهمة.

تحدث شيخهم بكلمة خفيفة مفتتحاً هذا اليوم العظيم، ثم أومأ لهم بيده بإشارة يفهمها كل الفتيان، فامتلأ المكان بصوت متداخل عجيب، كل واحد من هؤلاء أطلق العنان لصوته مرتلاً آيات القرآن، هذا يقرأ سورة الأعلى، وذاك يرد عليه بصوت أعلى من سورة الرحمن، وآخر يذكرهم بصوته الجهوري بضرورة التوبة للرب الأعلى الرحمن، فيصدح بآيات من التوبة، ورابع يتغنى بصوته يقرأ قصة الأحزاب، وآخر توجه إلى جاره الذي يجلس بجانبه يعيد عليه حفظه قبل التوجه لشيخه لتسميع ما طُلب منه، ثم يصمت الجميع فجأة! فإذا بالشيخ يشير لواحد منهم كان قد خرج عن سمت المكان وعن قانون الحفظ والإتقان وانشغل باللعب لاهياً، “قف يا فلان”، فيقف ممسكاً مصحفه في مكانه ويبدأ الحفظ واقفاً، ثم ما أن يتعب ويرى شيخه أنه قد عاد إلى القراءة والحفظ كما ينبغي، حتى يطلب منه الجلوس مسامحاً له، ويا لصعوبة تلك الوقفة! وما أحلى الجلوس بعدها! والله ويكأنه نعيم الدنيا كله تجمع في تلك الجلسة!.

لحظات قليلة، ثم تجد ثلاثة من الفتيان جلسوا صفاً متتابعاً أمام شيخهم، يستمع لتلاوة كل واحد منهم، يقرأون القرآن غيباً، بأصواتهم الغضة، وأرواحهم البريئة، وشيخهم يصحح ما فاتهم من الأخطاء، ما أن ينتهي الواحد منهم حتى يخبره شيخه بما ينبغي عليه أن يحفظه في الغد، مؤكداً له: “يا ولدي مراجعة حفظك السابق أولى وأهم من حفظك الجديد، إياك أن تغفل عنها بعد اليوم، سينقص منك علامتان على تقصيرك”، يعود الولد وهو متأسف على نفسه، ربما هاتان العلامتان تكونان سبباً في نزوله من القائمة الذهبية التي خصصت للمتميزين، إلى القائمة الفضية، التي امتلأت بأولئك الذي يتقدمون مرة ويقصرون مرة! فيعود مصمماً إلى مكانه، يضع يديه على أذنيه حتى لا يشغله أي صوت، ويغرق في تحدٍ مع نفسه، لا بد أن ينهيَ مراجعة الحفظ اليوم، فما ينتهي اليوم، إلا وقد فعلها حقاً، أنهى مراجعته، وأتم تسميعها، ومُحيت عنه الدرجات الناقصة، فتنفس الصعداء بإنجازه الكبير.
في الوقت الذي قام به ذلك الولد من أمام شيخه، تسابق ثلاثة لأخذ مكان في آخر الصف أمام الشيخ، لكن المكان لا يتسع إلا لمن سبق، فيعود اثنان، ويجلس واحد، لأن القانون يقول: ممنوع أن يكون في الصف أمام الشيخ إلا ثلاثة، إذا ما انتهى واحد جاء آخر، وهكذا. وكم مرة تسابقوا! وكم مرة آثر بعضهم بعضاً!.

مضت ساعتان بسرعة عجيبة، ومن انتهى من تسميعه خرج بعد أن أذِن الشيخ لهم بالانصراف، فخرج بعضهم إلى ساحة المسجد يلعبون بكرة صغيرة يتقاذفونها بأيديهم وأرجلهم، وكم مرة اشتكى منهم حارس المسجد أن كُسرت بعض الأنوار بسببهم، فيرتجونه ويستسمحونه ويعدونه بتعويضها، لكن فقط لا يخبر الشيخ، فذلك ربما يكون مدعاة لحرمانٍ من العلامات أو حرمانٍ من حضور الحلقات، وهنا القيامة في نظرهم! فيعفو ويسامح… وقد يشاركهم اللعب أحياناً. كم سعدوا وكم ملأ الهناء قلوبهم! اجتمعوا على القرآن، وتفرقوا على الأذان، يصدح صوت أذان المغرب مجلجلاً، فيتوجهون إلى الميضأة، يتوضؤون ويغسلون أثر اللعب عن أجسامهم، ويلتحقون بالجماعة من أولها، ويتسابقون إلى الجماعة كما النحل في أول الربيع يسابق الرياح نحو عبق الزهر والرياحين. تنتهي الصلاة، فيعودون وقد غابت الشمس، وتعبت أجسادهم الصغيرة، ليجدوا في البيت سؤالاً كبيراً في انتظارهم لا يقل صعوبة عما وجدوه في حلقتهم: “ماذا قال لك الشيخ عن أدائك اليوم؟”، تسأل الأم ويسأل الأب. ويا فرحه من نال مكافأته، وكان الله في عون من قصّر، الله وحده يعلم ماذا سيكون جزاؤه!.

هذه صفحة من الذاكرة، لحلقات جمعتنا مع إخوة لنا، تفرقنا في أنحاء الدنيا، لكن ما زال القرآن رفيقنا، وما زالت الذكريات تبعث الحنين في قلوبنا، فتحنُّ أرواحنا للقرآن، ولحلقة القرآن، وتتواصل بالدعاء والرجاء، بأن يجمعنا الله على فُرشٍ متقابلين في الآخرة كما اجتمعنا في الدنيا، وأنّى لها أن تتساوى! في الآخرة فُرشٌ مرفوعة، أسمى وأحلى وأبهى برفقة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأطربُ بسماع أصوات التالين والقارئين، يقال للواحد منهم: “إقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا”، فترتج جنبات الجنة لجلال الكلام وكلام ذي الجلال سبحانه.

أحببت أن أنقل لكم هذه الذكرى، لعلها تكون دافعاً لأن يعيش أبناؤنا في حلقات مثلها، تكون ملاذاً آمناً لهم وهم صغار، وحفظاً من الله لهم وهم كبار، حفظنا الله وإياكم وأبناء المسلمين أجمعين.

By Sh Jafar Hawa