وأتى أخيراً ذلك الزائر المنتَظر، وكل القلوب معلقة تهفو إلى فيوض رحماته، وخيرات لحظاته، أتى رمضان الكريم مباركاً، يهل على الليالي الحالكات فيحيلها نوراً وجلالاً، ويتجلى على القلوب الظامئات فيروي عطشها عذباً وزلالاً، فيا سعدَ مقدمه، ويا أُنسَ مقربه، ويا لطيبِ لقاه.

أما الصيام وأحكامه، والقيام وآدابه، والدعاء وأركانه… فكلها أفكار ومفاهيم لا بد لدى كل مسلم منها نصيب؛ ففي كل عام تتكرر الذكرى بها، والذكرى تنفع المؤمنين، والذكرى توقظ الغافلين، لكن قد تغيب مفاهيم أخَرُ عن الذهن أحياناً، فيجب التذكير بها، ففيها لا شك النفع لعباد الله المؤمنين.

“العائلة في رمضان”، عند مرور هذا المعنى على أسماعنا، أول ما يتبادر للذهن اجتماع العائلة على مائدة السحور أو الفطور، في مشهد متفرد جميل، لا يكاد يتكرر طيلة العام لدى بعض العوائل إلا قليلاً. وما أكثر شكوى الآباء والأمهات في أنهم لا يحظون بمثل هذه اللحظات الجميلة مع أبنائهم!! على الرغم من بساطتها، وعلى الرغم من سحر نتائجها، في إذكاء المودة والمحبة بين قلوب أبناء العائلة الواحدة، إلا أنه وللأسف مع مشاغل الحياة المتعددة والتفاتِ الجميع لما يهمهم من سعي للدراسة أو العمل أو التسوق والترفيه أحياناً، تغيب الفرصة للاجتماع على مائدة طعام، أو على فنجان قهوة، وإن حصل ذلك مرة، تجد الصغير والكبير منكباً على هاتفه، حاضراً بجسده غائباً بفكره واهتمامه، فاجتمعوا وما اجتمعوا!! اجتمعت الأجساد، وما زالت المشاعر والعقول متفرقة مسافرة في المدى البعيد، خلف أسوار الهواتف الذكية، التي كلما ازدادت ذكاءً، زادتنا تفرقاً وابتعاداً!!

ما يميز رمضان أنه شهر التغيير، فلا بد لكل مسلم فيه أن يتغير حتماً، بدءاً من عاداته اليومية في الطعام والشراب؛ فلا فنجان قهوة في الطريق إلى العمل، ولا فطور ولا غداء. انتهاءً بعادات النوم؛ ففي كل ليلة تراويح تروح النفس وتزيل عنها الضنك والنصب، إلى الاستيقاظ باكراً لحضور الفجر والجماعات… إلى إحياء ليالي العشر الأخير من رمضان. ليُتوجَ هذا كله أخيراً بالعيد والمعايدات والاجتماع بالأهل والأقارب، ونشر الفرحة والمباركات.

ليكن رمضان هذا بادرة لبدء صفحة جديدة مع العائلة، والاهتمام بكل فرد فيها صغيراً كان أم كبيراً، مع الحرص على من كانوا أسنَّ، فهم يحملون في قلوبهم شوقاً وحنيناً لجلوس الأولاد والأحفاد بين أيديهم، ويشعر الواحد منهم بالوحدة كلما تقدم في السن أكثر، فتقديرهم وتوقيرهم باب واسع من أبواب البر والإحسان يصل درجة إجلال الله كما في الحديث: “إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم” (سنن أبي داوود)، أطيب لقمة قد يحظى بها واحدهم تلك التي تأتيه من يد ابن أو ابنة، وأسعد لحظاته تلك التي يقضيها والحفيد أو الحفيدة بجانبه بين أحضانه يلهو ويلاعبه ويضاحكه ويؤانسه.

رمضان شهر عبادة بامتياز، وعلاقة المرء الطيبة بمن هم حوله عبادة أيضاً، أليس “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”؟ (صحيح البخاري)، ثمة حديث آخر أيضاً: “مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه” (صحيح البخاري)، فهذه آثار تحث على حسن الخلق وتربط ذلك ربطاً مباشراً بعبادة الصيام، لذلك لا يظنن ظان أن الصلاة والصيام وتلاوة القرآن في رمضان تكفي لوحدها ليكون المرء قائماً بحق رمضان، لا يمكن فصل العبادة في رمضان عن المعاملة، تلك عبادات لك أجرها متقبلاً إن شاء الله، لكن لا يفوتك أجر المعاملات، عباداتك مع الله، ومعاملاتك مع الناس، وكم ارتقى أناس أعلى الدرجات عند الله بحسن الخلق: “إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم” (سنن أبي داوود).

أيها المسلم اجمع إلى جنب عباداتك عبادة الخلقِ الحسن، وتلطف مع أهل بيتك: زوجتك التي ربما تصرف وقتها طيلة نهار رمضان في تحضير طعام يحظى برضاك ورضا أولادك؛ لا أقل من كلمة شكر ترسم الضحكة في قلبها وتُشعرها بالتقدير والاهتمام منك. والدك أو والدتك وقد تقدم بهما السن، ما أحلى أن تقرأ جزء القرآن بين أيديهما بدل أن يكون في المسجد! هل تظن شيئاً أحلى على قلبهما من ذلك؟ وإن صعبت عليك القراءة فاجلس معهما واستمع لقارئ متقن… ولدك الذي ربما تغفل عنه طيلة العام، اجعل له حصة في رمضان، ورمضان هذا نصفه سيقضيه في المدرسة، فلا تدع النصف الآخر يفوتك، خذ بيده إلى جماعة المسجد، وتدارس معه القرآن في محاولة للفهم والتدبر، خذ بيده وتفقد الفقراء والمساكين، وإن عجزت علمه الإنفاق في سبيل الله، والسبل كثيرة، والمنظمات التي تخدم هذا حول العالم تنتظر منك ومن أمثالك وافر الدعم لأجل الأيتام والفقراء والمعدمين، لأجل أبناء الشهداء والمهجرين والمجروحين. جيرانك وأقاربك وأرحامك وبقية أفراد عائلتك… كل هؤلاء لا بد أن تفتح معهم صفحة جديدة في رمضان، تمحو بها كل ما كدر هذه العلاقة خلال السنة، وتجدد العهد معهم في التلاقي على الله ولأجل الحب في الله. فإذا ما كنا كذلك، وكان هذا شعورنا وحالنا في رمضان، ستجد المجتمع كله كأنه بيت واحد، عائلة واحدة، عائلة لملمت القلوب المتفرقة، وجمّعت الأرواح المتنافرة، والاسم الأوحد هو رمضان.

ليس ما سبق كلام مثالي يصعب على التطبيق، وإن كنت أعلم أن البعض يظن هذا. يا عباد الله، إبدأوا بأنفسكم ودعوا النتائج على الله، ولستم مطالبين إلا بما يستطيعه واحدكم ويقدر عليه، ولو أن كل واحد منا قام بواجبه المنوط به، لاستقام أمر الجماعة باستقامة الفرد فيها. فيا مرحباً برمضان، ويا مرحباً بالعائدين الآيبين إلى رحمة الله، الراجين رغد العيش وهناءه في الدنيا، الطامحين لجنة الله ورضوانه في الآخرة، يا مرحباً بأبناء عائلتي كلهم، مبارك عليكم الشهر، وكل عام وأنتم من الله تزدادون قرباً، وبه معرفةً، ولمنهجه اتباعاً.

By Sh Jafar Hawa