بعد أن هاجر الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة المنورة، وجد أن اليهود الذين يسكنون بجوار المدينة وما حولها يصومون يوم عاشوراء، ويحتفلون به ويعظمونه ويتخذونه عيدا لهم، فلما سألهم – صلى الله عليه وسلم – عن سبب ذلك الاحتفال بهذا اليوم قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه بني إسرائيل من عدوهم، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نحن أحق وأولى بموسى منكم”. فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه .
يمثل يوم عاشوراء نهاية ملحمة عظيمة من ملاحم الصراع بين الحق والباطل، صراع خلده القرآن الكريم في أكثر من موضع، وتكرر سرد أحداثه في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم، بل لم تتكرر قصة من قصص القرآن بقدر تكرار قصة موسى – عليه السلام – وصراعه مع فرعون وملئه، حيث تكرر ذكر موسى – عليه السلام – أكثر من مائة مرة في أكثر من ثلاثين سورة من سور القرآن، حتى قال بعض العلماء: كاد القرآن أن يكون كله لموسى!
وفي هذا درس عظيم للأمة: وهو أن الحق مهما كان مستضعفا، فلا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي ينتصر فيه على الباطل مهما بلغ في ظلمه وطغيانه. ولعل هذا هو السر في تكرار هذه القصة في السور المكية، بينما تكرر القسم الثاني من قصة موسى مع قومه في السور المدنية.
إن رمزية يوم عاشوراء تكمن في كونه يمثل ثورة الحق في وجه الباطل، ثورة المستضعفين في وجه الطغاة والظلمة، ومن هنا جاء تأكيد النبي – صلى الله عليه وسلم – بأحقية هذه الأمة بموسى، من خلال وقوفها في وجه الظلمة والطغاة في كل زمان ومكان.
إن وقوف موسى في وجه فرعون يتكرر عبر الأمكنة والأزمان، كما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع مستضعفي أصحابه في وجه تلك القوة الطاغية التي يمثلها عتاة الكفر من مشركي قريش وزعمائها. وكما وقف أصحابه وصلحاء هذه الأمة من بعده في وجه كل ظالم وطاغية عبر العصور، امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم: “لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم .
إلا أن هذا الصراع إنما يتجلى في حادثة بذاتها من أحداث التاريخ الإسلامي، حيث تمثل هذه الحادثة ذلك الصراع الملحمي بين الحق والباطل أبلغ تمثيل، إلا وهي حادثة مقتل الحسين – رضي الله عنه – في كربلاء، على يد أولئك الطغمة من الطغاة الذين تولوا كبر هذه الجريمة النكراء، سواء بمباشرتها أو بالمسؤولية عنها.
إن موقف الحسين في وجه يزيد بن معاوية يمثل موقف الأمة في وجه الظلم، حيث يشكل يزيد بن معاوية أول حالة لمصادرة إرادة الأمة، وسلب حقها في اختيار من يحكمها، ولذلك كانت الثورة عليه وقوفا في وجه التعدي على هذا الحق الأصيل للأمة الإسلامية، الذي قرره القرآن الكريم، وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده. ولذلك كان رفض الحسين مبايعة يزيد، ثم ثورته عليه ومواجهته، تلك المواجهة التي انتهت باستشهاده ومن معه – رضي الله عنهم – حيث آثروا أن يضحوا بأرواحهم على أن يرضخوا لذلك الظلم والتعدي على الأمة الإسلامية وأحد أهم حقوقها الثابتة.
ومهما حاول البعض – قديما وحديثا – إضفاء هالة من القدسية على الطغاة السابقين، وتبرير أخطائهم، بل وجرائمهم في حق الأمة، لغرض التسويق لممارسات الطغاة اللاحقين وتبريرها، فإن الحقيقة تبقى واضحة ناصعة، كالشمس في رابعة النهار، لا يماري فيها إلا من طمس الله على بصيرته، وختم على قلبه.
لقد تحول الحسين الشهيد إلى رمز للثورة على الظلم، والوقوف في وجه الطغاة، رمز لا زالت تستلهم منه الأجيال القوة والجرأة كي تصرخ في وجه الظالم بكلمة: لا! وإن إحياء ذكرى يوم عاشوراء لا يتم دون استحضار وقوف أعلام هذه الأمة في وجه الظلمة والطغاة قديما وحديثا، كما وقف موسى في وجه فرعون، وكما وقف الحسين في وجه أولئك الذين صادروا حق الأمة وافتاتوا عليها وعلى اختيارها.
ولكن إحياء ذكرى الحسين الشهيد لا تكون تعذيب النفس، ولا بالاتشاح بالسواد، ولا بالتطبير وإقامة اللطميات واستحضار الثارات المندثرة لتسويق العدوان على أبرياء لم يكن لهم يد في مقتل الحسين، بل تأباه نفوسهم وتنكره قلوبهم.
وإنما يكون إحياء ذكرى الحسين الشهيد بتحقيق رسالته التي ضحى بحياته في سبيلها: رسالة الثورة على الظلم، ومواجهته أيا كان مصدره، وأيا كانت خلفياته الفكرية والدينية والطائفية. حتى ولو كان هذا الطغيان يدعي النسبة إلى الحسين والتعصب له.
هذا هو يوم عاشوراء، الذي نحييه بالصوم، ونستذكر فيه أننا في معركة مستمرة مع الطغيان، وثورة دائمة عليه، ثورة لا تتوقف ما قامت للظلم قائمة، حتى يأذن الله بهلاك الظالمين، ونصر عباده المؤمنين، كما نصر موسى على فرعون، وقضى بهلاكه وجنوده في مثل هذا اليوم، “كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز”
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

1 أخرج روايات هذه الحادثة الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما، وغيرهما من أئمة الحديث.
2 أخرجه أبو داود والترمذي وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
3 التطبير (أو الإدماء) عبارة عن طقوس دموية يمارسها بعض المسلمين الشيعة ضمن شعائر إحياء ذكرى كربلاء ومقتل الحسين، حيث يستخدمون السيوف ونحوها من الآلات الحادة لإحداث الجروح في وإسالة الدماء من رؤوسهم وأجسادهم، وهي طقوس يرفضها بعض الشيعة أنفسهم.