يروى أن التابعي الجليل، والفقيه الكبير، سعيد بن جبير، حين أمر الحجّاجُ جلاديه بقتله، قد ضحك! فقال له الحجّاج: ما يضحكك؟! فقال سعيد: عجبت من جرأتك على الله، وحلمه عليك!
شكلت تلك المحاكمة العبثية، التي أقامها الحجّاج، والي العراق لبني أمية حينئذ، فصلا أخيرا من فصول حياة كل منهما: الجلاد، والضحية، حيث قام زبانية الحجّاج – على ما يروى – بذبح سعيد بن جبير وتقطيع أوصاله على مرأى من سيدهم الحجّاج، الذي لم يلبث بعد ذلك إلا فترة يسيرة قبل أن يهلك.
ولئن كانت هذه المحاكمة الشكلية قد انتهت بمقتل الضحية والتنكيل به، إلا أن القضية لم تنته بانتهائها، فبمجرد الفراغ منها أقيمت محاكمتان جديدتان، ورفعت القضية إلى جهات أعلى للبت فيها، وإقامة العدالة الغائبة، التي يتح لها أن تأخذ مجراها في المحاكمة الصورية الأولى.
أما المحاكمة الأولى، فهي محاكمة التاريخ لكل من الجلاد وضحاياه: وهنا نجد أن التاريخ لم يلبث إلا قليلا حتى بدأ يقول كلمته في هذه القضية، واستمر حكمه يتكرر على مدى مئات السنين، ولا يزال إلى يومنا هذا، حتى أصبح هذا الحكم حقيقة واضحة، مقررة في نفوس الخلق، بحيث لا تقبل جدالا أو مناقشة فيها.
نعم. لم يلبث التاريخ أن حكم على الحجّاج، جراء جرائمه العديدة، التي لم يكن قتل سعيد بن جبير سوى آخر حلقاتها، لم يلبث أن حكم عليه بوضعه – وإلى الأبد – في مصاف الطغاة المجرمين، الذين إذا ذكرت أسماؤهم كان الظلم والإجرام قرينا لها يتبادر إلى الأذهان بمجرد ذكرهم.
لم تنفع الحجاج سلطته المطلقة، ولا سطوته البالغة، ولم يغن عنه حرسه وجنوده وأعوانه ومنافقوه، بل ولم يغن عنه أسياده الذين ارتكب ما ارتكب لأجل تثبيت أركان حكمهم وترسيخ دعائم سلطانهم، فما لبثوا بعد موته أن انقلبوا عليه وتناولوه بالقدح والذم، والتبرؤ من جرائمه وخطاياه التي ارتكبها في سبيلهم.
كما لم يشفع للحجّاج إنجازاته العظيمة، وخدماته الجليلة التي قدمها للإسلام والأمة الإسلامية: لم يشفع له أنه كان وراء فتح بلاد المشرق الإسلامي حتى بلغ الفتح الإسلامي إلى حدود الصين، ولا يزال مئات الملايين من المسلمين يدينون بالإسلام إلى يومنا هذا جراء تلك الفتوح العظيمة.
لم يشفع له أنه نهض بالعراق حضاريًا، فبنى المدن، كمدينة واسط، التي دُفن فيها، وحفر الآبار، ونهض بالزراعة وضبط العُملة، كما قام بتعريب الدواوين.
بل لم تشفع له خدمته للقرآن الكريم وإكرامه لأهله، حيث كان في أول أمره معلما للقرآن لأولاد الطائف، ولم يكن – رغم بطشه – يتعرض لأهل القرآن في الغالب، بل كان يكرمهم ويعمل على استمالتهم لجانبه، كما يُنسب له بأنه أمر بتنقيط القرآن ووضع إشارات تدل على نهاية الأجزاء، الأمر الذي لا نزال ننتفع به في قراءتنا لكتاب ربنا إلى يومنا الحاضر.
كل هذه الإنجازات، لم تشفع للحجاج في محكمة التاريخ، بل ولا تكاد تذكر إلا لماما، وسرعان ما يتم التغاضي عنها إذا ذكرت جرائمه وعددت مظالمه.
ولذلك دأب المؤرخون المسلمون، حتى بعد مئات السنين من هلاك الحجّاج، على الإمعان في ذكر مثالبه، والتبرؤ من جرائمه، وهذا شأن محكمة التاريخ، التي لا تحابي أحدا، ولا تتأثر قراراتها بسلطان زائل أو سلطة بائدة.
وفي المقابل: أصبح أولئك الضحايا الضعفاء، الذين لم يملكوا من عناصر القوة والسلطان ما يقيهم ظلمه وجبروته، أمثال عبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير، أصبحوا أبطالا ورموزا لمواجهة الظلم والطغيان، وجعل منهم التاريخ شهداء لا يُتناسى ذكرهم على مر الأيام وتعاقب الأزمان.
ولقد تفكرت طويلا: كيف سيكون حكم التاريخ وكلمته الفصل في حق هذا “الحجّاج” وله كل هذا الرصيد من الإنجازات العظيمة، لو لم يتجاوز الحد في ظلمه وطغيانه وتنكيله بالعباد، ماذا لو كان الحجاج قد أدار شؤون ولايته بشكل معتاد، فلم يبالغ في إقامة العدل، ولم يجازف – كذلك – في إقامة الظلم؟ لو كان الأمر كذلك فإن حكم التاريخ عليه سيكون مختلفا بلا شك، ولربما كنا سنذكره في مصاف أعلام كبار بلغوا مرتبة البطولة في الأمة، رغم ما كان لهم الهنات والتجاوزات، نظير إنجازات أقل بكثير مما أنجزه الحجاج، لربما كان الحجاج سيذكر جنبا إلى جنب مع صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين، والمظفر قطز قاهر التتار، والسلطان محمد فاتح القسطنطينية.
ثم تفكرت مرة أخرى: ماذا لو عادت الحياة بالحجاج ليشهد ما قد قيل ويقال في حقه إلى غاية اليوم، ماذا سيكون موقفه؟ ألن يتمنى لو أنه عاش ومات راغي غنم في بعض أطراف الصحراء أو في شاهق من الجبال، ومات ذكره بموته، فلم يذكره التاريخ بعد ذلك بخير ولا شر؟!
ولئن كانت الأعمال العظيمة، والإنجازات الضخمة، لم تشفع للظلمة في محكمة التاريخ، فلا قيادة أول حملة في الإسلام لفتح القسطنطينية شفعت ليزيد بن معاوية كي يتجاوز له التاريخ عن تبعات مسؤولياته والتي كان أعظمها ما تسبب في قتل الحسين الشهيد – رضي الله عنه – ولا شفعت الفتوحات والإنجازات السياسية والحضارية للحجاج كي يتناسى العالم ظلمه وطغيانه، ولا شفعت النهضة العلمية الهائلة التي جرت في عصر الخليفة المأمون كي يتغافل له التاريخ عن فتنة خلق القرآن التي جرت في عصره وعلى يديه، وما أوقعه فيها بالإمام أحمد بن حنبل من الظلم والتنكيل! لئن كان هذا هو حال هؤلاء الحكام الظلمة رغم ما قدموا من إنجازات وخدمات للأمة، فليت شعري ما سيكون حال طغاة اليوم، الذين أوغلوا في الظلم، وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض، بما لم يسبقهم إليه أحد إلا عتاة المجرمين عبر التاريخ، دون أن يقدموا للإسلام والأمة الإسلامية أية منجزات سياسية أو حضارية، فلا هم فتحوا الفتوح، ولا حرروا البلدان المغتصبة، ولا حموا بيضة الإسلام والمسلمين، ولا نهضوا بالعلم والتعليم، ولا طوروا الاقتصاد والصناعة والزراعة، بل أرهقوا الأمة واستذلوها وجاروا عليها، ثم تخاذلوا أمام أعدائها وفرطوا في حقوقها ومقدساتها ومكتسباتها، بل وتآمروا على تضييعها والتخلي عنها، حفاظا على مناصبهم وكراسيهم وعروشهم.
كيف سيكون حكم التاريخ على هؤلاء؟ وكيف سيكتب عنهم المؤرخون خلال عقود؟ إن الإجابة على هذا واضحة وضوح الشمس: فلو تقصينا ما يكتب عن طغاة لم يمض على هلاك بعضهم سوى عقود قليلة، أو حتى سنوات معدودة، سنعلم أن محاكمة التاريخ لهم قد بدأت مبكرا بمجرد زوالهم عن هذه الدنيا أو زوال سلطانهم ودولتهم منها، ولم يمض طويل وقت حتى صدرت أحكام التاريخ في حق الجلادين والضحايا على حد سواء، دونما مراعاة لسلطان ذي سلطان، ولا شوكة ذي شوكة. بل إن بعضهم قد بدأت محاكمة التاريخ له أثناء حياته، ليشهد جانبا مما سيحكم به عليه التاريخ ويسجله عليه للأجيال القادمة.
ما سبق هو محاكمة التاريخ للطغاة والظالمين، وهي – وإن كانت محاكمة خطيرة الشأن، ممتدة عبر الزمان والمكان، تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل – لكنها تبقى محصورة في نطاق هذه الدنيا الفانية، وتنتهي بانتهاء هذا العالم الأرضي.
أما المحاكمة الأخطر، والأعلى شأنا، والأشد بأسا، فهي محكمة العدل الإلهية، حيث تتحقق العدالة المطلقة: “لا ظلم اليوم”، ويكتب الفصل الأخير والأهم من فصول هذه الحكاية التي جرت بين الجلادين وضحاياهم، يحدثنا القرآن – وهل أصدق من حديثه حديثا؟ – عن مجريات هذه المحاكمة، فيقول سبحانه وتعالى:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(52). [سورة إبراهيم: الآيات 42-52].
هذه المحاكمة هي التي ينتظرها المظلومون بفارغ الصبر يوم القيامة، حيث تتلاشى أمامها كل الأحكام الفانية، عادلة كانت أم ظالمة، ويبقى الحكم النهائي الدائم، حُكم الحَكَمِ العدل، حكمُ اللهِ الواحد القهار، ولكن الطغاة لا يعتبرون!
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة