بداية أعتز بالتقويم الهجري لارتباط شعائري التعبدية به كمسلم، ولكن لا ضير أن نتحدث عن استقبال عام ميلادي جديد لواقع التقويم العالمي أو حتى لإحياء ذكرى سيدنا عيسى المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم (إن صحت نسبة التأريخ بالولادة.)

أخبر الله ملائكته أنه سيخلق آدم ويجعله خليفة في الأرض، فتعجبت الملائكة أنها لا تفتر تدأب وتجهد في تطهير نفسها، وهي المخلوقات النورانية من أجل أن ترقى لمقام العبودية له التي تليق بكماله وجماله وجلاله سبحانه، وأنت يا رب، ستخلق إنسانا يفسد فيها ويسفك الدماء!!

تلكم هي الكلمات التي قرأتها الملائكة في سجلات طين آدم وذريته، ولكن الله علِمَ أن ستكون كلمات أخرى يتعلمها آدم تسري في روحه، وتأخذ من صفات الله نسبتها، وتعيش بها طواعية ، فتسلك بها درب الهدى بيقين وثبات..
فكانت الأسماء الأخرى والكلمات التي غابت عن الملائكة..
{قلنا يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات الأرض}

هكذا المؤمنون اليوم وهو يستقبلون العام الجديد، ببقايا النورانية التي أودعها الله بهم من الهداية والاتباع لمن أُرسل رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، ينظرون أحداث العالم في تركستان، والهند، وكشمير، وبورما، وفلسطين، وسوريا، وليبيا، واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، فينطق لسان حالهم بنفس المعاني المتقاربة التي نطقت بها الملائكة..

يا رب، أما آن لهذه الظُلَم أن تنجلي؟
يا رب، أما آن لهذه الجراحات أن تندمل؟
يا رب، أما آن للعزّة أن ترجع الى مفاوزنا؟

أقول، وهل ساق الله حديثه مع الملائكة اصلا الا ليكون الجواب لنا نحن البشر، المؤمنون، الذين تحترق أكبادهم كمدا على كثرة فساد بني جنسهم وسفكهم لدماء بعضهم البعض “أن يقولوا ربنا الله”، فيرجعون الى كتابهم يتلون ويرددون قوله تعالى، يحيون في نفوسهم {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} فتنساب على الألسنة كلمات وأسماء تحيي القلوب والنفوس ملؤها الإيمان والإحسان..

لا بد من إصلاح النفوس حتى يستقيم فهم سنّة الكون والحياة، بحلوها ومرّها، ويبقى الرضى عن الله لأنه الله الحكيم العليم، وتبقى {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} الميزان في فهم منابع القوة والعزة وما يصاحبها من سنّة الله في البلاء والفتن والمحن.

البشرية فينا تنطق بلسان حال ضعفها، فتئنّ تحت وطأة البلايا والخطوب، ولكن أرواحنا هي مداد الأمل والعزيمة والإصطبار، تستمد معين حيويتها من كلام الله وسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أولم يملأ ربنا سبحانه قلبه صلى الله عليه وسلم يقينا، فثبت وثبّت معه أبا بكر في الغار {لا تحزن إن الله معنا}
أولم يملأ ربنا سبحانه قلبه صلى الله عليه وسلم رحمة، فدعا لأحفاد الحجاز بالهداية رغم أن ملك الجبال كان رهن إشارته أن يطبق عليهم الأخشبين؟
أولم يكن دعاؤه، وتبتله، وهمّه، وغايته، صلى الله عليه وسلم: “إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، فإن عافيتك هي أوسع لي”..
أولم يبشّر سراقة وهو ملاحَق مهاجر، أولم يبشر أصحابه، وهم خائفون من تجمّع الأحزاب حولهم وهو يكسر الصخرات، بمفاتيح الدنيا؟

فاخرج أيها السالك درب نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم من (سجن وجودك الى فضاء شهودك) وتأمل رعاك الله كيف أن يد الله فوق مقادير الدنيا والآخرة يديرها كيفما يشاء، واستجمع في خلايا أنفاسك، بعدما اجتهدت في أسباب الدنيا، التسليم لإرادة الله في خلقه..
أو قد غاب عنك: (إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون)………

ستكون السنوات القادمة حبلى بالجراحات، يتمنى فيها البعض الذين يمرون بالقبور أن يكونوا من اهلها، ويتمنى آخرون أن يكونوا مع بقية أغنام على رأس جبل يتركون ضوضاء الدنيا وضجيجها، ويجلس آخرون ينظرون سيل الفتن ترقّق بعضها بعضا…

أما أنت؛ فاشحذ العزم باليقين، وامض الى ما عرفت من الحق، واستعن بمن حولك من أهل النور لتمحو به ظلماً وظلمات..

إرجاع وتعلم أسماء الأشياء، لعل روحَك تُحيي الأرواح المنهكة حولك…

الشيخ كفاح مصطفى