مرّت بنا ذكرى مولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الشهر الذي مضى، وإن فاتنا استقبال شهرِ مولدِه، فلا يفوتنا وداعُ ربيعِه، شهرِه الأنورِ الأزهر، شهرِ ربيع الأول. ويا له من شامة بين الشهور، أولٌ بلا سابق، ومتفردٌ بلا مسبوق، وإن جاء في التعداد ثالثاً. وربيعٌ مشرقٌ مزهر، وإن جاء في قلب الشتاء، والثلوج تتساقط تبعث البرد والزمهرير، يأتيك فيبعث الدفء في مشاعرك، يغمرها لطفاً وتحناناً، مِسكاً وريْحانا، فيشتعل فيها لهيب الشوق لرحاب مسجده، للقاء وجهه، وإن في المنام، فمن يراه عليه السلام فلا يضام في رؤيته ولا يُسام، رآه حقاً وصدقاً ونال في دنياه أعلى مقام!

إن من أعظم نفحات الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أن هدانا لهديه فكنا مسلمين في الدنيا، ويكون شافعاً لنا في الآخرة. فكم نحن مدينون بالفضل لرب الفضل الذي تفضل علينا بمحمد ومَنَّ على البشرية به؟ ألم يقل سبحانه: “لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (آل عمران: ١٦٤)؟ بلى والله قد قال. ثم هو عليه الصلاة والسلام كما أورد الإمام البخاري في صحيحه في الحديث الصحيح يخبرنا عن اليوم الآخر، الذي تتطاير فيه الصحف، وتطيش به الأوزان، وتنخلع فيه القلوب، وترتعد الفرائص، والبشرية كلها على غير هدى تبحث عن مخرج، عن منجد، عن منقذ… وما لها إلا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: “‏يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا‏.‏ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا‏.‏ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ـ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ وَيَقُولُ ـ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ‏.‏ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ـ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ـ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلاً‏.‏ فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ـ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ـ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ـ ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ‏.‏ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ”، فهو عليه الصلاة والسلام شافع للناس أجمعين، إلا من سبق عليه قول القرآن أنهم أصحاب النار خالدين فيها أبداً فلا يخرجون، فهؤلاء محبوسون بأمر الله وبنص قرآنه، والعياذ بالله.

فيا من تحب محمداً، بعد هذا ما أنت فاعل؟ وهو عنوان نجاتك في دنياك وآخرتك، هل تترك منهجه؟ هل تحيد عن دربه؟ هل تعصي الله بمخالفة سنته؟ هل تملك إلا أن تتبعه؟ إلا أن تتمنى قربه؟ إلا أن تهيم في حبه؟ إلا أن تبقى مشغولاً بالصلاة عليه؟ وهل تملك أن تصلي عليه حقاً؟ الله قال في قرآنه: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (الأحزاب: ٥٦)، نحن لا نملك أن نصلي عليه بل نسأل الله أن يصلي عليه، لا نقول: يا رب إنا نصلي على محمد، وهذا مقتضى الأمر في الآية بنصها، لكننا نرفع الأمر إلى الله فندعو الله أن يصلي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فنقول: اللهم صلِ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والله ما يستطيع واحد منا أن يوفيه حق قدره عليه الصلاة والسلام، لذلك نحيله على الله المعطي الكريم الذي اصطفاه وهداه وهو الذي يفيه حقه حق الوفاء.

في وداع شهر ربيع، جدد عهدك مع رسول الله، واجعل من حبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم نوراً يضيء لك عتمات الطريق ويؤنس عليك وحشة الحياة… فإذا ما فعلت فيا لنعم الجائزة ويا لِعظم العطاء، كذاك الرجل الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا أعددت للساعة؟ قال: حب الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ‏”‏فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ”‏‏.‏ قَالَ أَنَسٌ بن مالك رضي الله عنه راوي الحديث: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الإِسْلاَمِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ‏”‏فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ‏”‏، فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. فضلاً عن تلك البشارة الأخرى لمن جعل صلاته كلها لرسول الله وأكثر منها، كما قال عليه الصلاة والسلام لأبي بن كعب: “إذن تُكفى همَّكْ، ويُغفرُ لك ذَنبك”، ومن منا لا هم له؟ ولم يغرق بذنوبه؟ فالله الله بسنة رسول الله، الله الله في الصلاة عليه، فخاسر من لم يعرف قدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومحروم من جاءته نفحات الله بأيام الله بمثل يوم ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم وما تلقفها وأصلح نفسه بفيض سناها، ورطب قلبه بطيب هواها.

By Sh Jafar Hawa