في مثل هذه الأيام من أواخر سنة 1435 ه (2014 م) انطلقت إلى المشاعر المقدسة في رحلة حج أخيرة قبل مغادرتي حياة البحث والدراسة بالمدينة المنورة، وانتقالي إلى حياة العمل والدعوة في أمريكا. لم تكن تلك أول مرة أخوض فيها تجربة الحج، وأعيش فيها لحظاته، فقد سبق لي الحج قبلها خمس عشرة مرة بالكمال والتمام، لكنها كانت أكثر مرة أستشعر بها حِكَمَه العظيمة، وأستجلي أسراره العميقة، وأتعلم من دروسه البليغة. وذلك أنني كنت فيما مضى من السنوات – بحكم ما أكرمني الله به من المعرفة والخبرة بهذه الشعيرة العظيمة – أحرص على أن أكون مع إخواني المسلمين من الحجاج، الذين يقدم معظمهم إلى الحج للمرة الأولى – وربما الأخيرة – في حياته، فأرافقهم معلما ومرشدا لهم لأداء هذه العبادة على أحسن الوجوه الممكنة. أما ذلك العام، فقد وقر في نفسي أنني أنا من يحتاج إلى أن يتعلم حقيقة هذه العبادة، ويكتشف حِكَمها بعد أن عرف أحكامها، ويغوص إلى باطنها بعد أن تمكن من ظاهرها، ويستجلي أسرارها ولا يقتصر على شعائرها. لذلك خرجت إلى الحج منفردا عن كل رفيق، في رحلة روحانية تأملية، أستشرف فيها بعين القلب والبصيرة تلك الأسرار العميقة الكامنة وراء الشعائر الظاهرة لتلك المناسك الشريفة والمشاهد المنيفة. وقد تحقق مأمولي من تلك الرحلة، فرجعت منها بدروس عظيمة، لا يمكن أن تعلمك إياها الكليات والجامعات، ولا تستطيع أن تظفر بها في بطون الكتب والمجلدات، تلك الدروس التي لا يمكن أن تتعلمها إلا في “مدرسة الحج”.
تنوعت تلك الدروس التي تجلت لي في تلك الرحلة، وتعدد الأسرار التي تكشفت لي أثناء أداء مناسكها والتجوال بين مشاعرها، إلا أن دروسا أربعة، تكاد تكون أعظم ما تعلمته فيها، كل درس منها يرتبط بركن ركين من أركان تلك العبادة، ويتعلق تعلقا وثيقا بجانب من جوانب الحياة والوجود.
أول هذه الدروس يعلمنا إياه ركن الإحرام، فإن عبادة الحج تبدأ – من حيث فقهها – بالتجرد عن اللباس المعتاد، وارتداء أردية بسيطة من القماش الخام، الذي يسترك دون أن يلهيك، فلا زخرف فيه ولا زينة، وليس له ماركات مسجلة، وموديلات مفصلة، يضاف إلى ذلك الامتناع عن عدد من الرفاهيات المعتادة في حياة الإنسان، من قص الشعر وتقليم الأظفار والتضمخ بالطيب ونحو ذلك مما فصله الفقهاء في مدوناتهم. لكننا لو تعمقنا أكثر في معاني هذا “الإحرام” لوجدناه يشير لنا إلى مفهوم البساطة في الحياة، والتخفف من أعبائها وتعقيداتها قدر الإمكان، فإن الحاج كلما تخفف من متعلقاته المادية، كلما كانت رحلة الحج أيسر عليه وأنفع له، وكذلك الحياة، فكم من التعقيدات المادية التي أثقلنا بها كواهلنا، حتى صارت حياتنا عبارة عن منظومة من التعقيدات أبعد ما تكون عن حياة اليسر والبساطة التي دعانا إليها خالقنا، ففقدنا بسبب ذلك متعة الحياة ولذة العيش، وبتنا نعيش كالآلات في منظومة رتيبة من المظاهر الفارغة، حيث أصبح جل اهتمامنا أن نظهر أمام الناس بأفخم الملابس والمراكب والمساكن والمناصب، ولو كانت حياتنا في باطنها وحقيقتها عبارة عن خواء فارغ. يأتي الحج ههنا ليكسر ذلك الروتين القاتل، ويغرس في نفوسنا مبدأ الحياة البسيطة المثمرة، التي تعنى بأن تملأ حياتك بالعمل المنتج والراحة النفسية، دون الاغترار بالمظاهر الخادعة.
والعجيب أن هذه المظاهر الخادعة قد تسللت من أمور معايشنا الدنيوية إلى أحكام عباداتنا الدينية، فصرنا نشهد من يهتم بطقوس العبادات ويغفل عن آثارها في حياته وأسرته ومجتمعه، حتى غدا التدين لدى كثير منا تدينا أجوف، يغطي ظاهره الخادع باطنا فارغا لا روح فيه ولا حياة.
عجيب أمر ذلك الحاج الذي – بمجرد إحرامه بالحج – يتحرج أشد التحرج من أن يقتلع شعرة من رأسه، أو يقتص بعض إظفر من أظافر يديه أو قدميه، ولكنه لا يتورع عن اقتطاع حق أخيه، واقتصاص نصيب أخته، بل وربما يأخذ من ذلك المال الذي اقتطع به قطعة من النار، فيجعله في نفقات حجه وعمرته!
وعجيب أمر ذلك المحرم الذي لا يمكن أن يتعرض لوحوش الفلاة بالأذى والترويع، احتراما لحرمة المكان والعبادة، فيما لا يسلم بنو الإنسان من ظلمه وترويعه، وكأنه لم يسمع بنداء المصطفى – صلى الله عليه وسلم – يوم الحج الأكبر: “ألا إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”!
وأعجب منه أمر ذلك السائل، الذي يستفتيك إن كان يحل له أن يمسك بيد زوجته بعد الإحرام كي يطوف بها حول البيت، ويحميها من زحام الخلائق وتدافع الطائفين، ثم هو بعد ذلك يظلمها ويهضم حقها، ولا يكون لها ردءا من زحام نوائب الدهر، وتدافع عوادي الزمان، وكأنه لم يسمع يوما بوصية المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بالنساء من على جبل عرفات: “ألا فاستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان لديكم”!
إن الإحرام الحقيقي لا يكمن في التورع عن قص الشعر والأظفار، أو الامتناع عن معتاد اللباس الطيب والنساء، بقدر ما يكمن في التورع عن حقوق العباد ومظالمهم، والتخفف من بهارج الدنيا وزخرفها، فإن رحلة الحج، وتنقلك بين مشاعره، ما هي إلا نموذج لرحلتك يوم القيامة، وتنقلك في محطات اليوم الآخر، وبقدر تخففك من هذه الدنيا وأثقالها، يهون عليك التنقل بين ساحات الحياة الأخرى واقتحام عقباتها، حتى تحط رحالك في موطن الراحة الأبدية، والنعيم الخالد.
أما الدرس الثاني، فقد تعلمته عندما تجولت في ساحات عرفات، وافترشت أرصفة مزدلفة، وأصبحت الخيمة التي تقيك أشعة الشمس الحارقة حلما، والسجادة البسيطة التي تقيك خشونة الأرض الساخنة رفاهية، عندها أدركت درسا عظيما من دروس هذه العبادة، أدركت كيف نغفل عن نعم عظيمة يغدونها بها ربنا صباح مساء، دون أن نقوم بأقل القليل من حق شكرها، عندما تجد بيتا يؤويك، مهما كان متواضعا، وفراشا تلقي بجسدك عليه آخر اليوم، مهما كان بسيطا، فأنت في نعمة عظيمة، يحلم بها الملايين من مفترشي الطرقات وسكان الأرصفة ونزلاء السجون والزنازين الضيقة، أنت في رفاهية لا يملكها كثير من الذين طحنتهم صروف الدهر وكوارث العصر، فتشردوا وتشتتوا وأصبح غاية ما يحلمون به سقفا متواضعا يظلهم، وفراشا رثا يقلهم، فلا يجدون إلى ذلك سبيلا. إن تجربة الحج تعلمنا درسا قيما، عندما نشارك هؤلاء المكلومين نمط حياتهم المرهق يوما أبو بعض يوم، حتى تلين قلوبنا القاسية، وتستيقظ نفوسنا النائمة، فنمد لهم أيدينا بالعون والغوث.
إن الموقف الحقيقي في عرفات والمشعر الحرام، لهو موقفك بين يدي ربك، شاكرا لأنعمه على ما حباك به، عاطفا بقلبك على إخوانك المضطهدين في كل مكان، مادا لهم يد العون تواسي بها جراحهم، وتسد بها خلتهم وتتفقد بها حاجاتهم، مثل هذا الموقف، الذي يجمعنا كمسلمين، من مختلف أصقاع الأرض، على اختلاف ألواننا وأعراقنا وألسنتنا، على صعيد واحد، في يوم واحد، هو الكفيل – لو قمنا به حق قيامه – بأن يعيد توحيدنا كأمة إسلامية، فنرجع جسدا واحدا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
أما الدرس الثالث، فهو الذي علمنيه الحج في ثالث أركانه، وأنا أطوف حول البيت، فبينما كنت أطوف حول البيت متسائلا عن حكمة هذا الدوران، في حركة مخصوصة، ونظام مدروس، لا يتغير على مر الزمان، فأدركت حينها أنني إنما أتسق مع حركة هذا الكون المسبح بحمد الله، في نظام عجيب، وتناسق غريب، أَسبح في فلكي المرسوم، وأسبّح بتسبيحي المعلوم، حول تلك الكعبة، التي تشكل مركز الحركة، وقبلة الروح، ومهوى الفؤاد، كما تسبَح الجسيمات حول نواة الذرة، والأجرام السماوية حول مركز المجرة، مسبحة بحمد موجدها ومرشدها، هناك تكشفت لي حقيقة الوجود، وأنني – ككل جسيم دقيق أو جرم سماوي عملاق – إنما أدور في هذه الحياة منتظما في دورة الأفلاك، التي هي عين التسبيح للخالق، لكنني المخلوق الوحيد الذي يسلك هذا المسار عن اختيار، ويسبح في هذا الفلك دون اضطرار، وكنت عندما أشهد بعض الطائفين وهم يعاكسون مسار الطواف المرسوم، ويخرجون عن نظامه المعلوم، فتختل حركة الجموع، ويضطرب حال المجموع، أدرك أننا كبشر مكلفين، حين نصارع قوانين الكون، ونتمرد على نظام الوجود، إنما نتسبب في اختلال حياتنا، واضطراب عالمنا، فنرجع بالضرر على أنفسنا قبل غيرنا، وما نشهده من دمار للأرض، وخلل في نظامها، وما نعانيه من اختلال للمجتمعات وسقوط للقيم والأخلاق، ما هو إلا نتيجة لخروج الإنسان عن المسار الرباني، وتمرده على القانون الإلهي “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون”.
إن حقيقة الطواف تتجاوز دوراننا المادي حول البيت العتيق، إلى إدراكنا أننا في كل حركة من حركاتنا، إنما نشكل جزءا من هذا العالم، وبمقدار انتظامنا معه، واتساقنا مع حركته، تنتظم أمور حياتنا ضمنه، وبمقدار إفسادنا فيه، وتمردنا على قوانينه، يختل نظامنا، وتتضاعف معاناتنا، فلا دواء لنا حينئذ سوى الرجوع إلى طريق الحق كي نتخلص آلامنا وأدوائنا التي صنعناها بأيدينا، كما يرجع الطائف المخالف إلى نظام جماعة الطائفين، وينتظم في سلك السابحين المسبحين.
دواؤك فيك وما تشعر *** وداؤك منك وما تبصر
وتحسب أنك جِرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر.
أما الدرس الرابع والأخير، فقد تعلمته وأنا أتنقل ساعيا بين الصفا والمرة، حين أدركت أن الحياة إنما هي سعي وحركة وتنقل من مكان إلى مكان، كما سعت من قبلنا أمنا هاجر في نفس هذا المكان، فنحن على خطاها نسير، وحذوها نحتذي، حين كانت تشد خطاها جيئة وذهابا طلبا لشربة ماء تروي به ظمأ طفلها الرضيع، فإذا بزمزم تتفجر عند قدمي ذلك الصغير، من حيث لا تدري ولا تحتسب.
إن السعي الحقيقي يتجاوز شد الخطا في رحاب ذلك الوادي، إلى إدراك لحقيقة أننا قد نسعى طويلا في أودية الحياة، ونلهث وراء سراب يحسبه الظمآن ماءا، في حين أن الخير ينتظر أن يتفجر بين أيدينا وتحت أقدامنا، فإذا بالسر العظيم وراء هذه العبادة يتكشف أمام ناظري: “أن يسير الثقة بالله خير من كثير السعي في أودية هذه الدنيا”.
خرجت من المسعى بعد أن أدركت تلك الحقائق، فوجدت أنني قد غدوت إنسانا آخر، وأن ما تكشفت لي عنه تلك الرحلة من الأسرار يستحق حجة أخرى شكرا على ما حباني به مولاي من الكرامات، فودعت البيت على عهد اللقاء مرة أخرى في تلك الرحاب الطاهرة.
تلك هي مدرسة الحج، التي يلتحق بها في كل عام الملايين، ولكن لا يظفر بأسرارها وحقائقها إلا القليل من القاصدين، النجاح فيها ليس بحفظ المعلومات، ولا باستذكار المحفوظات، وإنما بقدر ما يدرك قلبك من الأسرار التي لا تتكشف إلا لمن تجاوزوا شعائرها الظاهرة، ليغوصوا في معانيها العميقة، فليس الحج بالنسبة لهم مجرد حركات محسوبة، وتنقلات محدودة، وإنما هو تجربة حياتية فريدة، ترجع منها شخصا آخر، خيرا من ذلك الإنسان الذي كنت عليه قبل أن تنطلق في هذه الرحلة العجيبة.
والله ولي التوفيق، والمرتجى ألا يحرمنا بيته العتيق.
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة