مع كل نهاية بداية دائماً؛ فما أن ينتهي النهار ليبدأ الليل، وينتهي الليل ليبدأ النهار، وهكذا تستمر الحياة إلى أن يشاء الله، حتى بعد نهاية الدنيا تكون بداية الأخرى، ثم الخلود الدائم للمسلم الطائع، الذي اجتاز امتحان الخالق بنجاح بأمر الله وبرحمة منه، وبما قدم من صالح لنفسه من أجل ذلك اليوم.

في هذه الأيام نودع عاماً لنستقبل آخر، ويتفاوت الناس في فهمهم لهذه الدورة المتجددة من الحياة؛ فبعضهم غارق لاهٍ لا يهمه ماذا ينقضي من عمره وماذا يفوت، ما يهمه أن تستمر الحياة على النحو الذي يرضى ويشتهي، فإن حصل كان ذلك العام بالنسبة له عاماً ذهبياً ما مر على وجه الزمان مثله، وإن خالف ما يتمنى كان عاماً كئيباً مخيباً للتطلعات… أما البعض الآخر فهو الذي لا يرى في دورة الزمان هذه إلا اقتراباً من النهاية المحتومة: قيام الساعة، ويحدثك طويلاً عن علامات الساعة صغرت أم كبرت وما قد تحقق منها وإرهاصات علامات أخرى ستأتي، وتجده يعد الأيام والسنين وكأن الله قد خلقه ليَعُدَّ الساعات لقيام الساعة لا ليُعِدَّ نفسه لقيامها، ويمتلئ قلبه كمداً وحزناً، تارة لما قد يبتلى به في هذه الدنيا والتي ليست إلا امتحاناً عابراً، وتارة لما يراه من ابتلاء عابر للزمان والمكان والذي في ظاهره ابتلاء لأمة المسلمين، والحق أن الابتلاء لكل العالمين على اختلاف درجاته وأشكاله ولكن يُقدر للبعض أن لا يرى إلا جانبه من القصة، متناسياً أن هناك رواية أخرى ووجهاً آخر لكل شيء.

أما البعض الأخير، والذي أسعى في هذا المقال أن أُظهر جمال فهمه للحياة، وعمق استيعابه لدورة الحياة وسنن الكون ونواميسه، أولئك الذين يعقلون أن هذا الوداع لعام منصرم، والاستقبال لعام آخر ما هو إلا فرصة، ليُجدد الأنسان نفسه، ويقيم أفكاره وأحكامه وميزانه في الحياة، فما كان منها مستقيماً حافظ عليه، وما كان غير ذلك سعى لتصويبه وتسديده ليستقيم، وهؤلاء تجد البسمة الدائمة تملأ وجوههم، والتفاؤل أنيس قلوبهم، وبالمناسبة، تجدهم أبعد الناس عن القلق والاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى التي تغزو عالمنا اليوم، هؤلاء بروحهم المُحبة للحياة قادرون على أن يبعثوا في الأرواح المعذبة نور الحياة من جديد، هؤلاء هم الملهِمون الملهَمون، ألهمهم الله فهم الواقع والحياة، فغدوا رُسلَ سعادة بين الناس يبثون فيهم الأمل، ويؤمّلون فيهم خيراً، يعلمون أن السعادة تكون في أن تهب السعادة للآخرين، يؤمنون أن الله إنما خلقنا في هذه الدنيا لنحيا، وقرار الحياة فيها بأيدينا نحن، بل خلقنا فيها لنكون من السعداء، ألم يقل جل في ملكوته رب السعادة والحياة مخاطباً نبيه ﷺ: “طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ” (طه: ١-٢)؟ هؤلاء يتقنون فن العيش، مأجورون عند الله أعظم الأجر، أما ذلك الذي يسير على وجه الأرض وقد مات قلبه فرقاً من القيامة، أو انتظاراً لها، يئساً مضطرباً، يبعث اليأس والقنوط فيمن حوله… فإنه آثم متثاقل متشائم يعطل شرع الله وحكمه في كونه، غافل عن حكمة ربه في ملكوته، هؤلاء أعداد السعادة، أعداء النجاح، أعداء العمل، وحجتهم أن هذه الدنيا إنما كانت دار ممر ولا يجب أن نتعلق فيها ونعمل لأجلها، وقد أصابوا قليلاً وجانبوا الصواب كثيراً، والحق أنهم غفلوا أنك لا يمكن بحال أن تُقيم دين الله من غير أن تُقيم الدنيا، ولا لن تصل لدرجة العابدين إلا إن تعرضت لهذه الدنيا بكل ما فيها من محطات جميلة سارة، أو قبيحة شاقة، حتى تشعر بلذة السعادة حين العطاء، ولذة النجاح حين العمل، لن تشعر بالسعادة ما لم تذق طعم الحزن، ولن تشعر بطعم النجاح ما لم تتجرع مرارة الفشل، ولن تستلذ بطعم الحياة ما لم تفهم ثقافة الموت وأن الكل لا بد عائد لله للمكان الذي أعده الله له والذي أعده المرء لنفسه بأمر الله في الواقع.

هذا البعض، الذي نرجو أن يغدوَ كُلاً، أن يتكاثر ويتناثر على وجه البسيطة أرواحاً مشرقةً تبتسم للحياة، وتبدأ كل مرحلة من مراحلها يقظة مسرورة، تنظر للأفق فترى الفرج قريباً وإن تشاءم المتشائمون، تعمل ولو قليلاً وتعلم أن هذا يحدث فرقاً وإن خذّل المخذّلون، تبث الأمل في النفوس وإن كان صوت الإحباط أعلى، وإن كان التثاقل والتكاسل للنفوس أدنى، تعيش الحياة لأننا مأجورون في العيش نكافأ عليه؛ فإن عاشوا كانت السعادة رفيق، وإن ابتلوا كان الأمل بأن الحال لن يستمر بضيق، كما هي دورة الزمان، وإن ماتوا كانوا هم الأحياء!! أحياء في قلوب الناس بما تركوه من عمل حسن، وبما طبعوه من آثارهم على صفحة الزمن، أوليس النبي ﷺ قد مضى إلى ربه منذ زمن؟ لكنه في القلوب حيٌ يبعث فينا جذوة الحياة من جديد، مع كل أذان نصلى فيه عليه، ومع كل تشهد في صلاتنا نذكره فيه، مع كل تحدٍ في حياتنا نلقاه نتلمس فيه خطواته لتجاوزه، مع كل فرح نحظى به نتلمس بسمته في عيش أجمل لحظاته، وكذا كان أصحابه عليهم رضوان الله، وإن حاول الكثيرون أن ينقلوا لنا صورة قاتمة للمسلم منذ زمن الأنبياء والمرسلين، وكأنهم ما عاشوا لحظة سعادة، أو أن السعادة محرمة عليهم وعلينا، وما صدقوا وما أصابوا الحق والحقيقة قيد أنملة.

لذلك مع بداية عام جديد، ليكن قرارنا أننا سنعيش، بكل ما أوتينا من قوة، سنفرح من أعماق أعماقنا في هذا العام، سنتحدى كل الخطوب التي تواجهنا، لأننا مع الله، سنجد نوراً في آخر كل نفق مظلم، بل أن النور في قلوبنا، ونحن ملزمون بالبحث عنه حتى نجده، سيكون عاماً حافلاً بالعمل، حاملاً فيض النجاحات والانتصارات، على النفس والشيطان والملذات، على أعداء العمل والنجاح والحياة، هذا العام فرصة ثمينة، ولما لم يكن لك قرار في أن تكون في الحياة، فليكن لك قرار بأن تعيشها مسروراً سعيداً ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً.

الشيخ جعفر حوى