استيقظت تلك العجوز في الصباح الباكر، وتناولت صوفها ومغزلها، وبدأت عملها اليومي، حيث أخذت تغزل أكوام الصوف على مغزلها، كي تحولها إلى خيوط قوية، ذات صنعة متقنة. وتمضي ساعات النهار الطويلة، في ذلك اليوم القائظ من أيام صيف مكة الملتهب، والعجوز على حالها، تغزل وتغزل، دون توقف، حتى إذا حل المساء، وآذنت شمس مكة بالغروب، قامت تلك المرأة إلى ما أنجزته طوال يومها، فنقضته من بعد قوة أنكاثا، مبددة بذلك الصنيع كل أنجزته طوال يومها من العمل الشاق.
ويوما بعد يوم، كانت تلك المرأة تكرر صنيعها، تبدأ غزل صوفها من الصباح إلى المساء، ثم تنقضه أنكاثا كأن لم يكن، حتى تعجب أهل مكة من صنيعها، ونسبوا ما يصدر عنها من تضييع العمل وتبديد الجهود بلا طائل، إلى الحماقة واختلال العقل، فأطلقوا على تلك المرأة لقب “خرقاء مكة”، وأخذوا يتندرون بها وبحماقتها في مجالسهم.
وفي المقابل، نجد أن القرآن الكريم قد تناول هذه القصة العجيبة بطريقة مختلفة، حيث ينبهنا إلى ضرورة النظر إلى هذه القصة بعين البصيرة والاعتبار، واستخلاص الدروس منها، قال تعالى: “وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا”.
ولعل أهم هذه الدروس التي نتعلمها من هذه الآية أن العبرة ليست بالعمل ولا بكثرته وجودته، بقدر ما هي بالثبات عليه والاستمرار فيه، وهو أمر من الضروري أن نتنبه إليه، خاصة في هذا الوقت، بعد انقضاء شهر رمضان، كيلا نقع فيما وقعت فيه تلك المرأة من الرجوع بالهدم والتخريب على كل ما بنيناه وبذلنا فيه الفكر والجهد والوقت طوال هذا الشهر الفضيل.
إن الثبات على العمل الصالح يحتاج إلى تحقيق ثلاثة مبادئ هامة هي: الاستمرارية، والتوازن، والتدرج، وبقدر ما نحقق من هذه المبادئ بقدر ما نحافظ على جهودنا ومنجزاتنا من الضياع والتبديد.
أول هذه المبادئ: الاستمرارية: التي تعني المداومة على العمل الصالح، وإن كان يسيرا، وعدم الانقطاع عنه بعد مضي فترة من الوقت.
والاستمرارية قضية هامة في حياة الإنسان، بمختلف جوانبها الدينية والدنيوية، ولذلك راعتها الشريعة الإسلامية في أكثر من مناسبة؛ فعلى سبيل المثال: نجد أن الصيام لا ينتهي بمجرد انتهاء رمضان، بل يتبعه صيام ستة أيام من شوال، ثم ثلاثة أيام من كل شهر، ليبقى المسلم مرتبطا بهذه العبادة طوال العام، حتى يبلغ رمضان التالي، محققة بذلك المبدأ الذي قرره القرآن الكريم: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”.
والحقيقة: أننا نعاني من “عدم الاستمرارية” في العديد من جوانب حياتنا الدينية والدنيوية؛ فكم منا من مبالغ في الطاعة في شهر رمضان، منقطع عنها أو شبه منقطع بعد انقضائه، وكم منا من مجتهد في العمل أو الدراسة أو الرياضة أو أي نشاط من أنشطة الحياة النافعة، ولكن اجتهاده لا يدوم إلا لفترة محدودة، ثم هو بعد ذلك يتقاعس وينقطع عما كان فيه من الخير، بل وقد يرجع إلى حال أسوأ مما كان عليه قبل اجتهاده المؤقت.
وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية، والتي تكشف لنا مكمن الخلل، وموضع الزلل، الذي يتسبب لنا بعدم القدرة على الاستمرارية، ألا وهو تحقيق التوازن.
المبدأ الثاني: التوازن: ومقصودنا بالتوازن ههنا: أن يكون لدى الإنسان حدٌّ أدنى وحدٌّ أعلى لمختلف أنشطته الحياتية، الدينية والدنيوية، بحيث لا يطغى بعضها على بعض، ولا يوقع الانهماك في جانب منها صاحبه في السآمة والملل المؤدي إلى الانقطاع.
وقد جاءت النصوص الشرعية تحثنا على تحقيق هذا التوازن في مختلف جوانب حياتنا، قال تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا”. ووصى النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه المتحمسين للمبالغة في العبادة قائلا: “صم وأفطر ونم وقم؛ فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك (أي ضيفك) عليك حقاً”.
فإذا جئنا إلى التطبيق، وجدنا منهجا تربويا واضحا لتحقيق هذه المبادئ العامة بشكل عملي، بحيث يراعي تقلبات النفس الإنسانية، وما يطرأ عليها من تغاير الأحوال ما بين القوة والضعف، والنشاط والكسل، يتلخص هذا المنهج في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض”.
ما أبدعه من منهج، وما أنفعه لو طبقناه في مختلف شؤون حياتنا، بحيث نحدد لأنفسنا الحد الأعلى الذي نطمح إليه حال إقبال النفس ونشاطها، والحد الأدنى الذي نرجع إليه، ولا ننزل دونه حال إدبار النفس وفقدانها للنشاط والهمة والعزيمة، بانتظار رجوعها إلى نشاطها مرة أخرى، فإن “تخلل الفترات للسالكين” كما يقول ابن القيم “أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم؛ رُجي له أن يعود خيرًا مما كان”.
أما المبدأ الثالث: فهو التدرج: وهو أن يبدأ الإنسان بالأسهل والأيسر والأحب إلى قلبه من الأعمال الصالحة، ثم يترقى فيها شيئا فشيئا، وهو مبدأ أساسي في مختلف جوانب الحياة ومناحيها، ومن أكثر الأمور التي تعين على مداومة العمل الصالح وعدم الانقطاع عنه، ولذلك راعته الشريعة الإسلامية في أكثر من مناسبة، والمتتبع للوصايا النبوية في هذا السياق يجدها تؤكد على هذا المبدأ مرة بعد أخرى، فقد بين لنا – صلى الله عليه وسلم – أن هذا الدين متين، ونبهنا على ضرورة الرفق في تطبيق أحكامه على أنفسنا، وحذرنا بأنه “لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه”، وأمرنا أن نأخذ من الأعمال ما نطيق، وأن نسدد ونقارب، وألا نتنطع فنهلك، “فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ” و “إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”. كما طبق الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذا المبدأ على نفسه أولا، فكان “إذا عمل عملا أثبته” أي استمر عليه ولم ينقطع عنه.إن تحمس البعض للأعمال الصالحة في رمضان، واقتحامهم ميادينها دون مراعاة التدرج فيها، إنما يؤدي غالبا إلى أن يضيق صاحبها بها ذرعا، فتراه ينتظر نهاية الشهر بفارغ الصبر، ليتخلص من الأعباء التي أثقل بها على نفسه، ولو أنه تدرج فيها تدرجا، لكان ذلك أعون له على الدوام والاستمرار.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الانتصار على النفس في رمضان، ثم الهزيمة أمامها بقية العام، بل إنما يكمن في استثمار هذا النصر ليصبح جزءا مستمرا من حياتنا وكياننا، وهو أمر لا يقدر عليه إلا من عرف حقيقة الصيام، وأدرك أسرار شهر رمضان، وتعلم دروسه، لتبقى مرشدا له طوال العام.
إن نجاحنا في إدراك هذه المبادئ الثلاثة؛ الاستمرارية، والتوازن، والتدرج، وتطبيقها في مختلف شؤون حياتنا، كفيل بأن يقودنا إلى النجاح والترقي في دنيانا وآخرتنا، وفي المقابل، فإن عدم مراعاة هذه المبادئ قد يتسبب في ضياع منجزاتنا، وتبديد مجهوداتنا، و “نقض غزلنا” مهما كان متقنا محكما.
والله ولي التوفيق.
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة