يُذكر عن شيخ اسمه ابن القاص أحمد الطبري الشافعي، أنه استخرج من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد عن ستين فائدة في الفقه واتباع السنة، وصنوف الأدب والحكمة. ولم يتعد الحديث كله ستَ كلمات، ستُ كلمات استخرج منها هذا الفقيه الشافعي ستين فائدة، ولا غَرْوَ في ذلك، إذ أنه حديث المبلَّغ المعلَّم من رب السماء، محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

أما الحديث فحديث صحيح، رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: أن ابناً لأم سُليمَ صغيراً كان يقال له: أبو عمير، وكان له نُغَيْر، وكان رسول الله إذا دخل عليها ضاحكه، فرآه حزيناً، فقال: “ما بال أبي عمير؟” قالوا: يا رسول الله، مات نُغيره، قال: فجعل يقول: “يا أبا عمير ما فعل النُّغَيْر؟”. والنُّغَيْر هو تصغير النُغَرْ، وهو فرخ العصفور، ولعله فرخ طائر البلبل.

الشاهد في هذه القصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رغم كل انشغالاته، في بيته مع أزواجه أولاً، ثم مع عامة المسلمين ثانياً؛ في مسجده مع الغادين والرائحين، مع السائلين والمستفتين، مع المدعين والمقتضين، إلى غير ذلك من الهموم التي كانت تشغله… كان يجد وقتاً ليزور فيه بعض الرعية ويطمئن عليهم. وأم سُليم هي أم أنس ابن مالك، كان لها زوج، فأسلمت مع السابقين، فتركها غاضباً ومات في الشام، ثم تزوجت من بعد أبا طلحة وجعلت مهرها أن يسلم أبو طلحة، ففعل، فتزوجت منه، وأنجبت أبا عمير.

في هذا الحديث الكثير من العبر والفوائد المهمة لكل أب وأم، لكل مربٍ ومربية، فهذا رسول الله، بجلالة قدره ورفعة مكانته، يدنو من الأطفال، ويقارب مستواهم، يحزن لحزنهم، ويُسلي عنهم، ويزيل الحزن عن وجوههم. وحريٌ بنا أن نقتفي هذا الأثر، وأن نتعامل مع أبنائنا وبناتنا كما كان الحبيب صلى الله عليه وسلم. كم يحتاج أبناؤنا منا وقفة معهم إلى جانبهم، نسأل عن حالهم، وعن ما يعكر صفو حياتهم، عن ما يفعلونه في مدارسهم، في ملاعبهم، في خلواتهم، من يصاحبون، بمَ يتحدثون؟ ليس من باب التجسس والتتبع، بل من باب الحب والاهتمام. كم يحتاج أبناؤنا إلى أن يشعروا أننا نهتم حقاً لأمرهم، ولا نهتم فقط بإطعامهم أطيب الطعام وإلباسهم أجمل اللباس، وأن يقتني الواحد منهم أحدث الأجهزة، وأن تلبى رغباتهم كلها؟ يريد منا أبناؤنا كلمة تغذي أرواحهم وعواطفهم، وتلبي فورة الحب في قلوبهم، وإلا إذا لم يجد الولد من أبيه وأمه سؤالاً عن أحواله، إذا لم يجد من أبيه وأمه صحبة وصداقة تكسر الحواجز بينهم؛ سيبحث خارجاً في علاقة أخرى، عن شخص آخر يلبي له هذه الحاجة، وقد تكون علاقة محرمة غير مشروعة، وقد تتطور إلى مزيد من الغرق في المحرمات والممنوعات، فقد يجعله عدم اهتمام أهله به أسيراً لعادات سيئة خطيرة، ما أسهل الوقوع فيها، وما أصعب الانفلات منها!!

وفي ذات الحال إذا لم تجد البنت من أمها أذناً صاغية، ومن أبيها قلباً يمنح الحب والحنان، ومن أخيها سنداً يمنح التقدير والأمان، ستبحث أيضاً خارجاً عن من يلبي لها هذه الحاجات، ربما من خلال علاقة محرمة غير مشروعة، تتطور كثيراً إلى مستويات لا يمكن العودة بعدها للوراء، وساعتها تجد الأبوين يندبان حظهما، وقد فات الآوان، و”لَيْتَ” لم تَبْنِ يوماً عمران.

كم هو سحر كلمات الحب والعطف والحنان في قلوب أبنائنا؟! كم هو أثر عناقهم عناقاً صادقاً تعبيراً عن الامتنان؟! شعور أبنائك بأن تهتم، لأي شيء يخصهم صغيراً أو كبيراً، حتى ما تظنه أنت ترهات وهراءً فارغاً، يعني لقلوبهم الغضة وعقولهم الصغيرة الشيء الكثير. فكلام الرسول وملاطفته لأبي عمير، ما أعاد لعصفوره الحياة، لكنه أعاد لقلب أبي عميرَ الحياة؛ أن رسول الله يهتم لك ويهتم للذي أحزنك، فعاد القلب فرحاً مرحاً يختال مسروراً مبتهجاً.

ديل كارنيجي الكاتب الأمريكي يقول: “إن أكثر الناس يستدعون الطبيب لا ليفحصهم، إنما ليستمع إليهم”، فهذه دعوة لسماع أبنائكم، للتحدث معهم، كسّروا جبال الجليد التي تطاولت فيما بينكم، كونوا أصدقاء لهم، بل كونوا كالأطباء لهم، واسمعوا منهم، دعوهم يتحدثون، اهتموا لأمرهم، فوالله ما أبو عمير إلا كأبنائنا، وما نحن بأفضل من رسول الله فنمتنع عن ذلك، و”لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة” (الأحزاب: 21).

By Sh Jafar Hawa