ونحن في شهر الربيع – ربيع الأنور – نقف اليوم وقفة مع النبي ﷺ خلد الله سطورها في القرآن العظيم منذ مطلع نور بعثته عليه السلام، من رحاب ذلك الغار المعتم الذي أنار الكون كله، وبعث في الدنيا نور الهداية والاستقامة… نقف مع سورة المدثر التي كانت من أوائل ما أنزل على سيدنا محمد ﷺ، بل ورد في الحديث عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه أنه قال إنها أول سورة أنزلت، وفسر بعض المفسرين أنها ربما أول سورة كاملة أنزلت مع تأكيدهم أن أول ما أنزل عليه ﷺ هو مطلع سورة العلق.

بدأت السورة الكريمة بنداء للنبي ﷺ بقول الله له: “يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ” والمدثر هو من تدثر بثيابه خوفاً وبرداً، فناداه ربه وفقاً لحاله ووصفاً لها على أدق ما يكون، كما يحصل لكل إنسان يتلفف بثوبه خوف خطر داهم أو برد قارص، ليشير لنا سبحانه كم كانت صدمة النبي ﷺ شديدة عليه بمقابلة جبريل عليه السلام، الذي يسد الأفق بجناحيه كما جاء في بعض أوصافه.

بعد النداء الرباني في فاتحة السورة، أمر الله سيدنا محمداً ﷺ بستة أوامر، هي بحق مبادئ لكل داعية يسعى لنشر نور الله في العالمين، بدأها سبحانه بقوله: ” قُمْ فَأَنْذِرْ”، في الوقت الذي يظن فيه الناس أن المتعب الخائف الذي أتت الصدمة على ذهنه وأفكاره، يظنون أن لا بد له من الراحة والهدوء والبحث عن الطمأنينة في مكان ما، كان أمر الله لسيدنا محمد ﷺ أن قم، إذ لا متسع للراحة والدعة، فالوقت وقت النبوة، ومحمد ﷺ قبل النداء ليس كمحمد بعدها، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين في أن هذه الآية كانت نداء النبوة له عليه السلام.

أما الأمر الثاني فكان نداء الرسالة، رسالة الإسلام الخالدة، فقال الله له: “وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ”، إذ أنها إما دعوة لبدء الصلاة بالتكبير، أو لبدء الدعوة بالتكبير، وفي كلٍ بداية عظيمة، تذكر الداعية ألا شيء يعلو على أمر الله، فيقبل متوكلاً على الله خالي القلب إلا من الله، فيكون ذلك أقوى له على الحق، وأدعى له في الثبات، فلا يلتفت لتضحياته؛ فالله أكبر، ولا يغتر بنجاحاته؛ فالله أكبر، وإذا ما آمن الداعية بهذا هان عليه كل شيء، وهان لأجل الله ولأجل الدعوة إليه كل شيء.

“وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ”، كان هذا الأمر ثالثاً، وهو محمول على معنيين؛ معنى ظاهري مقصود به الطهارة من كل رجس والمحافظة على مظهر طيب حسن، حتى يُدخل السرور في قلوب من يراك يا محمد ﷺ ومن يرى كل داعية من بعدك، فمطلوب من الداعية أن يكون حسن المظهر والهيئة، حريصاً على الطهارة والزينة. أما المعنى الثاني فيأخذ بعداً أعمق، يوافق فيه ما تعارف عليه العرب سابقاً كما في قولهم: فلان نقي الثياب؛ أي طيب الأخلاق طاهر القلب، فكان أمر الله لمحمد ﷺ بأن يتطهر قلبه ويتطهر ثوبه، فيغدو طاهراً من كل رجس مادي ومن كل رجس معنوي، وهذا أقل ما يمكن رجاؤه من كل داعية.

“وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ”، هذا الأمر الرابع يشابه الأمر الذي سبق، لكنه مختص بالدرجة الأولى بهجران الأصنام التي كان يعبدها قومك يا محمد ﷺ، وكل صنم من دون الله لا بد أن يُهجر، فلا شيء يعلو على الله وعلى أمر الله، هو الحق الواحد وكل ما سواه باطل، وهي في حق كل داعية كذلك أن يهجر كل صنم قد يعظم شأنه في قلبه من جاه أو منصب أو مال أو حتى حاكم، فيخلو القلب إلا من الله، ويستقيم الداعية وتستقيم دعوته من بعد ذلك.

جاء الأمر الخامس مختلفاً، إذ يقول الله: “وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ”، وفيه تذكرة ألا تستعظم ما تقوم به من الطاعات والتضحيات، فالعبد مقصر في حق الله مهما قدم وفعل، لا يستطيع حتى أداء حق الله في شكر نعمة واحدة من نعم الله، ولا تظنن أن ما تقوم به كثير، بل لا بد أن تثابر وتبادر دوماً للمزيد والمزيد، فكأن هذه الآية دافع لسيدنا محمد ﷺ ولكل داعية ألا تنتظروا من الناس شيئاً، ولا تمنوا عليهم رغبة بأن يردوا لكم جميل أفعالكم، لربما تصابوا بخيبة الأمل، لكن أملوا من الله كل خير، والله لا يخيب عباده ويعطيهم من واسع فضله ورحمته.

الأمر السادس والأخير قبل أن تستمر السورة في تفاصيل أخرى، هو قول الله: “وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ”، وما أحوجك يا محمد ﷺ للصبر والاحتساب! وما أحوج الدعاة من بعدك ليحملوا الصبر نبراساً في قلوبهم ينير لهم عتمة الطريق! ويؤنس من حوادث تلفهم وتعترض دعوتهم، فيصبروا كما صبر محمد ﷺ، فإذا ما نظر الدعاة إلى ما بذله سيدنا محمد ﷺ هان أمامهم الطريق، وذابت كل مشقة إذا ما قورنت بما تلقاه عليه السلام في دعوته، وهذا هو زاد الدعاة والمصلحين، اتباع للحبيب ﷺ وصبر على الاتباع.

هذه وقفة مع سورة واحدة من سور القرآن نزلت على سيدنا محمد في بدايات الدعوة، لتسطر مبادئ يسير عليها ﷺ في دعوته، فهي مسلمات مهمة ملحة، لا بد لكل داعية أن يعيها، ولأن كل مسلم داعية، فهذا منهج متين رصين يخاطب كل المسلمين على اختلاف أماكنهم وتعدد أحوالهم.

الشيخ جعفر حوى