يُذكر أن سليمان بن عبد الملك بن مروان، من خلفاء بني أمية الذين شُهد لهم بالعدل والخير، يُذكر أنه زار المدينة المنورة مرة، على ساكنها أفضل التحية والسلام، وسأل عن بعض التابعين الذين أدركوا صحابة رسول الله ليجلس إليهم ويسمع من حديثهم، فحضر سلمة بن دينار شيخ المدينة وواعظها، وكنيته أبو حازم، فقال له سليمان الخليفة: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم الآخرة، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تُنتَقَلوا من العمران إلى الخراب، قال: أصبت. قال سليمان فكيف القدوم غداً على الله؟ قال أبو حازم: “أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله”، أي أنه كالمسافر الذي طال سفره ورجع إلى أهله والشوق يملأ قلبه وقلوبهم لللقاء، “وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه”، أي كالخادم المذنب الذي يعلم أنه سيُسأل إذا ما طلبه سيده للمحاسبة. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله، قال وأيُّ مكان أجده؟ قال: “إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ” (الانفطار: 13-14).

كلنا يكره الموت ويخافه، نعم، كراهة جبليّة فطرنا الله عليها، حتى أن أمَّنا السيدة عائشة رضي الله عنها قد أظهرت ذلك صراحة لرسول الله كما جاء في حديث رسول الله: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءَه”، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا نبي الله أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال عليه السلام: “ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بُشر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءَه. وإن الكافر إذا بُشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءَه” (صحيح مسلم). فالمفهوم أن هذا الشعور هو غريزة في النفس البشرية، لكن المؤمن يروُّض هذا الشعور ويوجهه التوجيه الصحيح. نعم نخاف الموت، ومن يخاف شيئاً لا بد أن يُعد العُدة له، إما ليتجنبه أو ليحسن التعامل معه، والموت لا مفر منه ولا مناص، كلنا لا بد نتجرع من هذا الكأس يوماً، فلنُعدَ إذن لاستقباله، ولنتهيأ لميعاده. ولما كان الميعاد خفياً مجهولاً، فلا بد أن يكون الاستعداد ظاهراً معلوماً، فتعمل للدنيا كأنك تعيش أبداً، وتعمل للآخرة كأنك تموت غداً.

فخوفنا من الموت خوف محمود فيه دفع للعمل والاجتهاد، فيه تذكير بالمآل حتى تصلح الأحوال، فالعاصي يتذكر لحظة الموت فيستغفر ويقلع عن ذنبه ويتوب ويعود، والطائع طامع بالمزيد؛ فيتذكر لحظة الموت فتشتعل نفسه حماسة للطاعة والبذل والعمل، حتى إذا ما أتت لحظة الموت يُقبل على ربه راضياً مشتاقاً.

مفتاح فهم الموت وفهم كيفية التعامل معه هو فهم الدنيا أولاً، ثم العمل لأجل ما بعدها ثانياً؛ سئل أبو حازم سلمة بن دينار: ما الدنيا؟ قال: ما مضى منها فحُلم، وما بقي منها فأماني. أي أنك لا تملك منها شيئاً، ما مضى منها ذكريات ترددها على لسانك وتمني النفس بتذكرها، ويكأنها شريط سريع يتردد طيفه أمام عينيك، وما بقي منها أمانيُّ ترجوها لا يتحقق منها إلا ما كتبه الله لك. وهو ذاته الذي قال: انظر كل عمل كرهت الموت من أجله، فاتركه ثم لا يضرك متى مت. فأنت ربما تكره الموت لأجل معصية عكفت عليها، ولأجل شهوة أو لذة تعلقت بها وتكره مفارقتها… فتذكر الجنة والنعيم وما أعده الله للطائعين، فتصغر هذه اللذات في عينيك إذا ما قورنت بالجنة، وتطلب نفسك الجنة فتتخلى عن معاصيك، فإذا ما ارتقيت هذا المرتقى لا يهم بعدها متى يأتي الموت، المهم أن تجاهد نفسك وأن تثبت على ذلك، وما أسهل قول ذلك!! وما أصعب العمل به!! لكن المؤمن يختاره طائعاً راغباً؛ مَثَلُه مثل الذي سلك طريقاً وعرة صعبة لأجل الوصول إلى روضة خضراء نضرة، تزينها الزهور والأثمار، وتغرد فيها العصافير والأطيار، وتتسابق فيها الجداول والأنهار، فينسى صعوبة الطريق، بروعة هذا البريق. يعاكسه تماماً الفاسق العاصي الذي سلك طريقاً سهلة سلسة منبسطة مزينة، على أطرافها زخارف الزهور، ومباعث السرور، ينعم بلذات الطريق ومحطاته، لكن لافتات الطريق تشير إلى هاويةٍ في آخره، فتجده مستمراً في طريقه غير آبِه، غافل عنها لاه، منشغل بالاستمتاع في هذا البريق الذي لن يدوم، الذي سينطفئ وينتهي، وينتهي معه كل من لحق به في هاوية ما لها من قرار!!

إذا ما فهمت حقيقة الدنيا، يلزمك أن تعمل لما بعدها إذن، تماماً كما أخبر الله في قرآنه: “وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ” (البقرة: 110)، فأنت تعمل في هذه الدنيا، وتقدم لنفسك أنت، بقدر ما تتعب في هذه الدنيا، بقدر ما ترتاح وترتفع درجتك عند الله في الآخرة.

فخلاصة الأمر أن نهاية الموت إنما هي البداية الطيبة للمؤمن، فيعلم أن هذه الدنيا ممر لا مقر، فيأخذ منها ما يعين عليها، ويعمل في الفانية لأجل الباقية، مع علمه أن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل. وحسبنا أن نسأل الله حُسن الخاتمة، بأن يجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم اللقاء به. آمين.

By Sh Jafar Hawa