من قول الله تعالى: “وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ” (الشعراء: ١٩٢-١٩٥)، نفهم كُنْهَ العلاقة بين الروح الأمين جبريل عليه السلام وسيدنا محمد ﷺ؛ علاقة تعاضدت بالقرآن، وتأسست عليه، وتباركت فيه، فكان عليه الصلاة والسلام يعرض القرآن على جبريل في كل عام في رمضان، يقرأه كما علمه الله وتفضل عليه، لتغدو هذه العلاقة في عرض القرآن منهجية ناجعة نافعة مدى الزمان إلى يوم القيامة، فملايين الطلاب يعرضون القرآن على مشايخهم من شتى بقاع الدنيا، في تطبيق سليم سديد لسنة سيدنا محمد ﷺ، أول من عرض القرآن على جبريل.

بعد أن عرض النبي ﷺ القرآن الكريم على جبريل، حرص أشد الحرص أن يستمر هذا النهج بين أسياد القراء ممن يختارهم من الصحابة الكرام، ثم يحث الناس من بعد ذلك على عرض القرآن عليهم بعد إجازتهم والشهادة لهم بالضبط والإتقان، كما صحَّ في الحديث: ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ – فَبَدَأَ بِهِ -، وَسَالِمٍ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ” (صحيح البخاري)، رضي الله عنهم أجمعين، وفي هذا شهادة، ويا لنعم تلك الشهادة لهؤلاء الأربعة أنهم أهل للإقراء والتعليم، ولم يكونوا ليصلوا تلك الرتبة إلا بعد أن قرأوا قراءة مسددة موفقة، أحسنوا فيها الأداء، واستحقوا معها الثناء.

لو رجعنا إلى سيرة هؤلاء الأربعة الكرام، لوجدنا أن لكل منهم حالاً خاصة مع القرآن الكريم، نفهم بعدها لمَ اختصهم النبي ﷺ دون غيرهم من الصحابة، أما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فهو أول من جهر بالقرآن في مكة، وناله من الأذى ما ناله بسبب ذلك، ثم إن له شهادة صريحة كما يروي هو عن نفسه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ يُصَلِّي، فَافْتَتَحَ سورة النِّسَاءَ فَسَحَلَهَا – أي قرأها كلها – وسورة النساء ثلاثون صفحة و١٧٦ آية، والرسول ﷺ يستمع، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ “، ثُمَّ تَقَدَّمَ يسأل، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: “سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ”، فَقَالَ: فِيمَا سَأَلَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ. قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَبْدَ اللهِ لِيُبَشِّرَهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ قَدْ سَبَقَهُ، فَقَالَ: إِنْ فَعَلْتَ، لَقَدْ كُنْتَ سَبَّاقًا بِالْخَيْرِ” (صحيح البخاري).

أما سالم مولى أبي حُذيفة رضي الله عنهما، فتروي عَائِشَة الصديقة رضي الله عنها، تقول: أَبْطَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: “مَا حَبَسَكِ يَا عَائِشَةُ؟ “قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ. قَالَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ” (مسند أحمد)، فنال شهادتين؛ شهادة المعلم الأول ﷺ، وشهادة المعلمة الصديقة عائشة عليها رضوان الله.

ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، سفير الدعوة، رسولُ رسولِ الله إلى اليمن فقد شُهد له بالعلم بما لم يُشهد لأحد مثله قط؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل” (مسند أحمد)، شهادة بأنه أعلم الصحابة، وشهادة بأنه من أفضل من يُقرأ عليه، في هذا درس لمن طلب العلوم الشرعية وأرادها؛ أن يطلب هذه العلوم بطرق باب القرآن، فيكون قائده للعلم والعمل، وما القرآن إلا باب العلوم وأساسها كلها.

أما خاتمة القراء في صدر الإسلام وأكثرهم إقراءً، وإمامهم في الصلاة، فهو أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه، ولشهادته بحسن التلاوة موقف مؤثر؛ إذ يروي أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يقول: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ بن كعب: “إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ”، قَالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: “اللَّهُ سَمَّاكَ لِي”، فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي، فقَرَأَ عَلَيْهِ: “لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ” (البينة: ١)، من تمام تلاوته، وحسن قراءته، اختاره الله ليقرأ عليه رسول الله، وهذه لعمري أعظم شهادة.

هذا منهجه ﷺ في الإقراء، في تخير أفاضل الصحابة ليُقرئوا الناس كتاب الله كما أنزل، ونحن مأمورون في زماننا أن نتخير عمن نقرأ كتاب الله، نختار الأفاضل ممن شُهد لهم من أهل الفضل والسبق أنهم أهل للضبط والاتقان، فنقرأ عليهم، ونصحح ما يشكل علينا في تلاوة كتاب ربنا، ونقيم بحسن تلاوتنا صلواتنا، وننال بذلك عظيم الأجر والثواب حتى يشفع لنا القرآن أمام الله، وبذلك نطبق سنة الحبيب ﷺ فنحظى بشفاعته مرة أخرى بإن الله، شفاعة القرآن وشفاعة العدنان ﷺ.

الشيخ جعفر حوى