في صلاة العشاء في مسجدنا منذ أيام، كنا نقرأ قول الله تعالى من سورة البقرة حول قصة الملأ من بني إسرائيل لما طلبوا من نبيهم ملِكاً قائداً يقودهم حتى يستعيدوا حقوقاً سُلبت منهم وأراضٍ نهبها أعداؤهم، فأجابهم النبي بأمر الله على ما أرادوا: “إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (البقرة: ٢٤٧). القارئ لهذه الآية لا يملك إلا أن يستغرب بشدة قولَهم وردة فعلهم؛ أولستم تطلبون ملكاً؟ ها قد جاءكم الملك. لكن الحقيقة أن الموازين لدى أولئك القوم قد انحرفت وطاشت عن الحق، وإلا لكانت قبلت بهذا الملِكِ الذي ملكه الله عليهم، ومن استقام ميزانه على أمر الله، استقام له حتماً أمر الحياة.

كانت حجة أولئك القوم أن طالوت لم يكن غنياً صاحب مال، وكان من نسل يرون أنفسهم ربما أفضل منه، هكذا كان ميزانهم للأمور، ولمنصب الملك والقيادة، بينما على العكس من ذلك كان ميزان النبي الذي أجابهم بقول الله وأمره: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، وإذا قدّر الله أمراً فليس لأحد من المخلوقين أن يعترض أو يناقش: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ” (الأحزاب: ٣٦). ثم إن المَلِكَ لا بد أن يتمتع بقوة وصلابة تمكنه من الوقوف بوجه أعدائه، لا يطأطئ الرأس مُسْلِماً نفسه وقومه وأرضه وثروات شعبه لهم رخيصة بلا ثمن! وهذه القوة لا يمكن أن تعمل لوحدها بلا علم، لذلك قدم الله العلم على القوة، فيغدو العلم قائداً لهذه القوة فلا تستعمل إلا في مكانها، وإلا كان الإنسان جباراً ظالماً.

هَبْ أن المَلِكَ كان صاحب مال، وصاحب قوة أيضاً، هل هذا لوحده كافٍ ليكون قائداً صالحاً يُعيد لأمته كرامتها وعِزها؟ بالطبع لا، لا بد له من العلم، فالعلم حقاً هو الميزان الذي يضبط المال في مصدره ومصرفه، ويضبط القوة في مصادرها ومسالكها، لذلك فقد قُدِّر أهل العلم على مر العصور تقديراً عظيماً، كانوا هم من يرسم للمجتمعات مسار النهضة والحضارة، وما قدَّرت أمة أهل العلم فيها إلا ارتقت وسمت، وما ضاعت أمة بمثل ضياعها باستخفافها بالعلم وحملته ودعاته. وهل الأنبياء والمرسلون إلا علماء؟ وهل الصالحون والعبّاد الطائعون إلا علماء؟ ما وصلتهم الرسالة إلا وعلمهم الله ودرسهم وفهمهم، وما صَلُح الصالحون والطائعون إلا لأنهم علموا أن الصلاح مسلكهم نحو الله، ومن سلك الطريق نحو الله فقد عرف الله؛ عرف الغاية وعرف الطريق.
وقَدْرُ كلِ امرىءٍ ما كان يُحسنُه              والجاهلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حياً بـِه أبـداً                    الناسُ موتى وأهل العِلمِ أحياءُ

By Sh Jafar Hawa