في كل عام تتجدد مواسم التنزيلات والتخفيضات بتجدد الأعياد والمناسبات، وتغصُ الأسواق والمحلات بالعملاء والمشترين، وتمتلئ الصحف والمجلات بإعلانات عن بدء مراسم التخفيضات بمناسبة كذا وكذا قبل أسابيع وشهور أحياناً من تلك المناسبة السعيدة، تارة احتفالاً ببداية عام وأخرى بيوم الميلاد وثالثة بيوم الشكر ورابعة بيوم الأم وغيرها بيوم الأب… وهلم جرا! ويا لحسرة يوم الشجرة، لا بد أنه أُدخل في التقويم السنوي سهواً؛ إذا لا حملات تسويقية تسبق ذلك اليوم بشهر ولا أسابيع، على الأقل حتى تاريخ كتابة هذا المقال، وِفقاً لما وصل إليه علمي القاصر، ومن يدري ماذا تحمله لنا الأيام؟!.

ليس خطأً أن يتسوق المرء فيما يحتاج، بل من الواجب أن يُلبيَ حاجاته وحاجات أسرته ليحيا حياة عفيفة لا يكون فيها عالة على أحدٍ ولا أولادُه، بل إن من الذكاء أن يتخير المرء الوقت المناسب لشراء حاجياته، أقول “حاجياته”، أي أن المحرك لشرائه لهذه السلعة أو تلك هو “الحاجة” وليست فقط “الرغبة” في التملك، وشتان بين المفهومين.

مما عمت به البلوى في أيامنا، ويكاد يكون سمتاً عاماً لمجتمعاتنا إلا النزر اليسير من الناس، أن يذهب المرء للتسوق لأجل قضاء الوقت والاطلاع على كل ما هو جديد من أجل التسلية والترفيه فقط، وهذا والحق يقال إنه تجاوز في غالبه مذموم؛ إذ يخرج المرء بحصيلة كبيرة من الأشياء التي لا يحتاجها، واشتراها فقط لأنها من ضمن “حملة التخفيضات”، وقد صرف و”أسرف” مقابل هذه الأشياء مبالغ لو جُمعت لكانت ثروة، الأولى أن توضع فيما لا بد منه وليس فيما لا طائل منه.

من فضل الله عليَّ، أثناء دراستي للاقتصاد الإسلامي، أن كان لزاماً علينا دراسة بعض مساقات الاقتصاد التقليدي، وكان من ضمنها مساق التسويق وأساليبه المعاصرة، والحق أنني استفدت استفادة جليلة من هذا المساق مما انعكس إيجاباً على ثقافتي الشرائية بشكل خاص وثقافتي الاستهلاكية بشكل عام؛ فمما لا يخفى على أحد اليوم، ونراه بملء أعيننا وننساق وراءه، هو العامل النفسي الذي ترتكز عليه الشركات والمؤسسات في تسويق بضائعها وخدماتها، ابتداء من التسعير “النفسي” الذي لا يضع لك الرقم الصحيح لثمن السلعة حتى يُعمل لدى العقل اللاواعي أن هذه السلعة مثلاً ليست ب7 دولارات بل هي 6.99 دولارات، وفي حال سُئلت عن ثمن السلعة هذه ستقول بأن ثمنها هو 6 دولارات!! قمت بالتقريب لأبعد رقم وهو 6 مع أن التقريب لرقم 7 هو الصحيح والمنطقي وأنت تعلم هذا ولكنك مع ذلك تفعله!!.

أمر آخر تتسابق فيه الشركات في حملاتها التسويقية: تجدهم يراسلونك بشكل خاص بأي وسيلة كانت متاحة، مستخدمين أسلوب خطاب “الفرصة الذهبية”؛ بحيث أنك أيها المستهلك العزيز عملتنا النادرة، ونحن نسعى لرفاهيتك ورضائك التام وسعادتك الأبدية… ولأجل ذلك “لا تدع الفرصة تفوتك”، “اشترِ الآن”، إلى غير ذلك من هذه الجمل البرّاقة التي تُشعرك أنك إن تجاهلت هذا “الخطاب الشخصي المؤثر”، ستكون من الخاسرين! ستخسر الفرصة بينما ينعم بها غيرك، وهل كنت لترضى أن يحظى بهذه السلعة فلان وفلان بينما تستطيع أن تحظى بها أولاً وتقف مكتوف اليدين؟! بالطبع ستبادر وتنساق وراء هذا النداء الدافئ وتسارع لتملك هذه السلعة حتى مع عدم حاجتك لها!! يكفي أنها خاضعة للحسم والخصم والتنزيل حتى تضع مالك الثمين مقابلاً لها، فتغدو “حملات التسويق” هي المحرك الرئيس للشراء وليست الحاجة بتاتاً.

إضافة إلى أساليب أخرى تحاول الشركات فيها جذب العملاء والمشترين، كإثارة “وهم النفاد” لديك؛ بحيث أنك إن لم تسرع ستنفد هذه السلعة لكثرة الطلب عليها! أو هذا ما يتهيأ لك أيها المستهلك، فضلاً عن استخدام أشخاص مثلك ضمن دراسات معينة في إعداد حملة إعلانية من خلال تصويرهم وإدراج شهادتهم الحية في مدح هذا المنتج أو تلك السلعة، مما يدفعك للمقارنة بينك وبين هذا الشخص “العادي”، أو الذي يبدو عادياً، وقد اجتهدوا ليظهر في هذا المظهر، تجده يتحدث عن حبه لهذه السلعة وكيف أنها أثْرَت حياته وأضافت له، فتبادر أنت وتقلد هذا الشخص “العادي” في نظرك، والذي ربما يكون في الواقع ممثلاً يتقاضى الآلاف مقابل عمله، أو ربما أنه من الشخصيات المشهورة والتي يدعوها البعض: “الشخصيات المؤثرة”، وهي في تأثيرها السلبي تفوق الإيجابي في كثير من الحالات في مجتمعنا للأسف… أساليب كثيرة وكثيرة جداً لا تنتهي، بل تزداد يوماً بعد يوم، وتحرص الشركات على تخصيص فريق كامل للبحث والعصف الذهني لمواكبة أذواق الناس وجلبهم لصالح رفع المبيعات لصالح الشركة ولصالح المستثمرين.

خلاصة القول، ونحن المسلمين الذين خاطبنا ربنا في قرآنه: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31)، قد علمنا سبحانه أولى وسائل الترشيد في الاستهلاك، حتى نكون أذكياء يحدونا الوعي والإدراك ولا ننخدع في حملات تسويقية من هنا أو هناك.

ومما لا بد من ذكره ختاماً، ويستحق أن يغدو شعاراً في ترشيد الاستهلاك والاقتصاد المحمود هو ما نقل عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَحْمًا مُعَلَّقًا فِي يَدِي، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فَاشْتَرَيْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوْ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ شَيْئًا يَا جَابِرُ اشْتَرَيْتَ، أَمَا تَخَافُ هَذِهِ الْآيَةَ: “أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا” (الأحقاف: 20). ليكن شعارنا حتى لا نقع صيداً سهلاً لأصحاب الحملات التسويقية: “أوَ كلما اشتهيت اشتريت؟!” فنفكر مرة بعد مرة قبل أن ننفق قرشاً واحداً على سلعة لا نحتاجها، ونقدر نعمة الله علينا فيما أعطانا؛ فلا يوضع مالٌ إلا في محله، من غير سرف ولا تقتير، ومن غير تبجح ولا تبذير، عافانا الله وإياكم أجمعين.

الشيخ جعفر حوى