إن أكثر ما يجعل القلب مرتاحاً والبال ساكناً والنفس سعيدة؛ أن يرى الإنسان نفسه في غنى عن الناس، وأن يقنع بما ملكه الله، فيغض بصره عن ما أنعم الله به على غيره، ويرجو البركة لنفسه فيما بين يديه، ويرجو البركة للآخرين فيما بين أيديهم، ينشغل بنفسه وما يعتلجها عوضاً عن انشغاله بالناس وشؤونهم. ولا غنى يضاهى غنى النفس وإن كان المرء فقيراً، ولا راحة تعدل راحة القلب وإن كان الحال عسيراً. هذا مبدأ عام أثبتت القصص والتجارب الكثيرة صحته وفعاليته، وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”، انظر وصف النبي عليه الصلاة والسلام: أي كأنه ملك الدنيا كلها.

لو نظر الإنسان في إحصائيات الفقر والغنى التي تطالعنا رأس كل عام، لوجد العجب، لذلك ينبغي أن يكون الحظ منها تماماً كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: “انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم”، حتى تقدر نعمة الله عليك تماماً لا بد من النظر إلى من حُرم هذه النعمة التي عندك، فتعظم هذه النعمة في عينك… وقد فهم البعض الحديثَ فهماً مكملاً فقالوا: في أمر الدنيا أنظر إلى من هو دونك حتى تُعَظِّم النعمة التي بين يديك، وفي أمر الدين أنظر إلى من هو أعلى منك حتى يدفعك ذلك لمزيد من العمل والطاعة.

وقد روى أبو هريرة عن رسول الله أنه أمسك بيده قائلاً: “اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً”، فالغنى كل الغنى في الرضا، والإطمئنان أن كل نفس لن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها. ويُذكر للإمام الحسن البصري قوله: علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي، وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن يراني عاصيا، وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي.

بعد كل هذا ما العلاج الذي يبنغي اتباعه حتى نصل لهذه المرتبة من القناعة والرضا؟ ذَكر الله ذلك بالتفصيل بخطوات ثلاثة جاءت في أواخر سورة طه: “وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى” (طه: 131-132).

  • – امنع عينيك من النظر إلى ما في أيدي الناس لأن ذلك من نعيم الدنيا الفانية وقد يكون فتنة وابتلاء من الله لهم.
  • – اعلم أن الرزق الذي آتاك الله إياه هو الخير لك، والله يعلم بمَ يكون صلاحك… فقد يمنع عنك غناً مطغياً: “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى” (العلق: 6-7)، وقد يمنع عنك فقراً منسياً؛ فصلاح المرء يكون بالفقر تارة حتى لا يطغى، وقد يكون بالغنى تارة حتى لا ينسى.
  • – إلزم حبل الله وطاعته والتزم صلاتك أنت وأهل بيتك، فتلك العروة الوثقى والحبل المتين، الذي فيه البركة وفيه سعة الرزق، فالله الذي تعبده هو ذاته الذي يرزقك، فكيف ترجو رزقه وتأكل من خيره وأنت غافل لاهٍ عنه؟

ختاماً، أورد الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنه -: أن رجلًا سأله فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألَكَ امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألَكَ مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك.

By Sh Jafar Hawa