لعل من أكبر التحديات التي قد تواجهها الجاليات المسلمة في أمريكا، تحقيق الاندماج في المجتمع الغربي، دون الذوبان فيه وفقدان الهوية الدينية والثقافية التي تتميز بها عن بقية المجتمع الأمريكي، الأمر الذي يلقي بمسؤوليات ضخمة على عاتق المؤسسات والمراكز الإسلامية، والأئمة وعلماء الدين الذين يمثلونها للتوفيق بين التعايش مع المجتمع الأمريكي الغربي بشكل سليم من جهة، والحفاظ على الموروث الثقافي، والهوية الدينية من جهة أخرى.
وفي هذا الصدد: يمكن للمطلع ملاحظة صنفين أساسيين من الأئمة والدعاة الذين يخدمون ضمن الجاليات الإسلامية في أمريكا: فريق يتمتع بالمعرفة الشرعية والتأصيل العلمي والأكاديمي، ولكنه يفتقر إلى الخبرة المجتمعية، مما يكوّن حاجزا بينه وبين تفهم قضايا المجتمع الإسلامي في الغرب على الوجه الصحيح، وهذا الوصف هو الغالب على كثير من الأئمة القادمين من البلدان الإسلامية، والدارسين في جامعاتها ومؤسساتها العلمية والأكاديمية.
وأما الفريق الثاني، فهو يتمتع بخبرة جيدة بالمجتمع الأمريكي، والحياة الغربية، ولكنه يفتقر في المقابل إلى التأصيل العلمي والمعرفة الشرعية المطلوبة، وهذا هو الغالب على المشتغلين بالقضايا الدينية ممن ولد ونشأ في المجتمع الأمريكي، دون أن تتاح له إمكانية تلقي المعرفة الشرعية والتأصيل العلمي بالشكل المناسب.
وكما أن ضعف الخبرة بطبيعة الحياة الأمريكية قد يتسبب بالتعامل الخاطئ من طرف الأئمة والدعاة مع العديد من القضايا الحساسة لدى أبناء الجاليات الإسلامية، فإن فقر المعرفة الشرعية، وضعف التأصيل العلمي يؤدي إلى تعامل غير منضبط بقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية مع هذه القضايا.
لذلك كان لزاما تأهيل أئمة ودعاة ذوي خبرة عميقة بطبيعة الحياة الأمريكية، وفي نفس الوقت لديهم القدر الكافي من التأصيل العلمي والتأهيل الأكاديمي الشرعي.
وذلك يتحقق إما من خلال التحاق أبناء الجالية الذين ولدوا ونشأوا في أمريكا بالجامعات والمعاهد الشرعية في البلدان الإسلامية، وهو أمر قد يصعب تحقيقه على مستوى واسع، لأسباب يضيق هذا المقام عن تعدادها، أو من خلال إقامة جامعات ومعاهد ومؤسسات تعليمية تقوم بتدريس الدراسات الشرعية الإسلامية لأبناء الجالية في أمريكا.
والمطلع على التجارب والمشاريع القائمة حاليا، والتي تسعى لتقديم دراسات شرعية جامعية على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، لا يلبث أن يكتشف أن معظمها يفتقر إلى العديد من الإمكانات المادية والعلمية والأكاديمية، فضلا عن أنها لا تحظى بالاعتماد الأكاديمي سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
من هنا، ظهرت فكرة تأسيس كلية للدراسات الإسلامية في شيكاغو، تقدم العلوم والدراسات الإسلامية، وفق منهج علمي أصيل، وعلى أيدي أساتذة مؤهلين، مستخدمة أحدث التقنيات والوسائل التعليمية، ضمن ضوابط أكاديمية صارمة، تؤهلها لنيل الاعتماد الأكاديمي داخل الولايات المتحدة وخارجها، فتقدم للجالية أئمة ودعاة وعلماء دين يمتازون بالتأصيل العلمي العميق، والمعرفة الشرعية الواسعة، كما بالخبرة الجيدة بواقع المجتمع والجالية وطبيعة الحياة الأمريكية، وهو هدف يرتقي إلى مستوى الأهداف الوجودية التي ينبغي أن توليها جاليتنا الكثير من الاهتمام والدعم والرعاية.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة