كل عام وأنتم بخير. تقبل الله طاعاتكم، وغفرلكم، وجعلكم ممن تقرّ عيونهم يوم القيامة؛ فرحاً بما قدموا وبما أنجزوا… فلا فرحة تعدل فرحة الإنجاز وفرحة النجاح.

الحمد لله أتانا رمضان، وقد وفقنا الله للصيام فيه والدعاء والقيام، وجاءنا العيد، وفرحنا به كما أراد لنا سبحانه، فرحة الفطر بعد شهر كامل من الصوم والتعب، الذي يهون مقابل ما أعده الله من عظيم الأجر.

لكننا اليوم ونحن نستذكر لحظات رمضان السريعة وكيف مرت، نتطلع إلى الأمام، أين ينبغي أن نكون؟ أين المسير؟ ماذا بعد؟ هل حقاً تغيرت نفوسنا في رمضان؟ هل حقاً نزعنا من قلوبنا كل الضغائن الأحقاد؟ هل تصالحنا مع أنفسنا أولاً… ثم هل تصالحنا مع من حولنا من الناس؟ هل إذا سمعنا المنادي للصلاة اليوم نلبي مسرعين كما كنا في رمضان؟ أم هل نتقاعس ونذل لشيطاننا؟ هل أغلقنا مصاحفنا ليأكلها الغبار حتى يجيء رمضان القادم؟ أم هل بقينا على العهد مع شهر القرآن ولو بالقدر اليسير؟ هل عدنا إلى الغيبة والنميمة والحديث في أعراض الناس وماذا فعلوا وماذا لم يفعلوا؟ أم هل نظرنا في عيوبنا ونقصنا أولاً فأمسكنا ألسنتنا عما لا يفيد من الحديث؟. تتعدد الأسئلة وتتكرر في كل عام، لكن أهمها حقيقة والذي لا بد له من جواب صريح، هو: هل تغيرنا حقاً في رمضان؟ إن كانت الإجابة نعم، ونقصد هنا بالطبع التغير السليم الصحيح الذي يرضاه ربنا، فهنيئاً وسلاماً، ويا سعد من كان ذلك الرجل وتلك المرأة منا.

أما إذا لم تتغير، فتوقف قليلاً، أرجوك تريث وفكر، هي كلمات أنقلها لك لعلها تثير في نفسك شيئاً، لعلها توقظ إحساساً ربما يغفل عنه البعض… كم من الناس كان أملهم ورجاؤهم أن يحضروا رمضان! لكن الله ما أذن لهم؟ ليس فقط بأنهم انتقلوا إلى دار الحق، بل حتى على سبيل المثال ذلك المريض الذي كان يهنأ بوافر الصحة والعافية ثم فجأة وجد نفسه طريح الفراش طيلة الشهر! يرى جموع المصلين وجموع المكبرين المهللين، جموع الرافعين أكفهم للدعاء، جموع الخاشعين المتذللين، وهو يتحرق في فراشه، ولا يحظى بفرصة لصلاة جماعة أو عبرة مع جموع المؤمنين. كم وكم من الناس منعهم عذر ما أن يكونوا ممن يقوم هذا الشهر بحقه وينال فضله؟ وأنت يدخل عليك الشهر ويخرج وما تشعر بأي نعمة وهبها الله إليك، وتظن أنه عبء ثقيل نزل عن كاهلك، انتهى التعب وزال الظمأ والنصب، وبقي الأجر واتصل إلى يوم القيامة بإذن الله.

اعلم يا من حضرت رمضان، وفاضت عليك نفحاته، وعشت دقائقه وأيامه، أن الله اختار لك الخير، وأراد لك الخير، أراد لك أن تحيا رمضان، ذلك الشهر الذي تتضاعف فيه الأجور أضعافاً لا يحصيها إلا الله، هدية الله لك كانت أن تعيش رمضان، لا أشكُّ قيد أنملة أن الله يحبك فأذن لك أن تعبده وأذن لك أن تكون من أهل رمضان، وها قد انتهى رمضان، لكن رب رمضان الحي الباقي، يفنى كل شيء وهو الذي يدوم سبحانه، كن دائم الاتصال به، مقبلاً عليه في كل شأنك، لا تغفل عنه في ذكرك… أعطاك الله علامة حبه لك، فليرى منك علامة حبك له، وما من شيء تنال به حب الله كامتثال أمره فيما فرض عليك، واجتناب ما نهاك عنه، ثم فيما ندب لك العمل به، فإذا ما عرفتَ فالزَمْ.

By Sh Jafar Hawa