تستغربون ونحن على أعتاب الشهر المبارك، شهر رمضان الكريم، أنني أقول: وداعاً رمضان! نعم، أقولها وأقصد تماماً ما أقول… فوالله إنها لأيام معدودات كما أخبر الله في القرآن في آيات الصيام: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ” (البقرة: 184)، ووالله إنها لساعات قليلة يجهد فيها جسدك وتعطش ويبلغ التعب منك مبلغاً، لكنك حالما تفطر على حبات من التمر وشربة من الماء؛ تزول كل تلك المشاعر، وكأنك كنت طيلة النهار في راحة واطمئنان ما شكوت من جوع أو عطش أو تعب!

أقول وداعاً رمضان، لنتذكر أن هذا الزائر ما إن يقدُم وتأنس به وتألفه نفسك؛ تألف لياليه، وتألف صلاة الجماعة فيه، ويشهد عليك بلحظاته التي قضيتها إما في ذكر أو صلاة أو صيام أو برٍّ وإحسان… ما إن يقدُم حتى يرحل، وما إن ترى هلال صيامه حتى ترى هلال فطره، ما إن تفرح في أول يوم فيه حتى تفرح في آخر يوم فيه، متعبدون نحن بالفرح فيه مصداق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه” (صحيح البخاري)، فرحة صغرى في كل يوم بزوال التعب وذهاب الظمأ عند الإفطار، وفي نهاية الشهر الكريم عند الإفطار من صيام الشهر كله، في يوم العيد بعد أن أديت هذه العبادة، وأقمت هذا الركن العظيم من أركان الإسلام. والفرحة الكبرى يوم الجزاء، يوم يُنادى الصائمون من باب الرّيان: هلموا هلموا إلى ما أعده الله لكم من النعيم: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” (الحاقة: 24).

ولما كان سمتُ هذا الضيف الحبيب السرعة والعجل، ينبغي أن يكون سمتُ المستقبلين وحالهم السرعة والعجل أيضاً، لا تفوتهم لحظة بر وخير يقدرون فيها على إحسان ضيافته وإكرام نُزله، إلا وفعلوها، لا يضيّعون الفرصة من بين أيديهم، بل همُ الكرماء في استقبال الكريم؛ فلا يرحل عنهم إلا وقد قرّتْ عيونهم وملأ الرضا قلوبهم.

كان عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه يُناجي في آخر ليلة من شهر رمضان، يقول: يا ليتَ شِعري مَن هذا المقبول فنُهنِّيه، ومن هو المحروم فنُعزِّيه. وقد صدق كرم الله وجهه، فالخاسر الشقي من أدرك رمضان فانسلخ منه وانتهت أيامه ورحل ولم يُغفر له، كما قال عليه الصلاة والسلام: “شَقِيَ عبد أدرك رمضان، فانسلخ منه ولم يُغفر له” (الأدب المفرد للبخاري). أي شيء أدركَ من فاته رمضان؟ هل يستوي من كان حظُّه فيه القَبول والغفران، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران؟ كلا والله لا يستويان، كم من قائمٍ حظُّه من قيامه السهر، وكم من صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش.

أقول في استقبال رمضان وداعاً؛ حتى نحدد وِجهة المسير، ونجدد العزم على بذل الكثير، ونعلم أيَّ مطلوب منا فنُحقِقه، وأيَّ مرفوض منا فنَتجنَّبه. هو أيضاً وداعٌ يتضمن استقبالاً يليق بمقام هذا الضيف، وداعٌ لمعاصٍ خلت، ولذنوب أثقلت، ولقلوب بالسواد اكتست، ولنفوس بالظلام تسَرْبَلت، فيغدو المرء طاهر الروح والجَنان، طيب القلب واللسان، فيدخل عليه شهر النور في كل بيت، وتضيء سُرُجه في الطرقات والجنبات، في زاويا النفوس المتعبة… فتستقر وتهدأ، في شهر ظاهره التعب والمشقة، وباطنه الراحة والسكينة، وإسألوا من ذاق، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف، “وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ” (البقرة: 197).

By Sh Jafar Hawa