كما هو الحال في كل عام، في الأيام التي تسبق شهر رمضان المبارك، يقوم الأئمة والوعاظ بتذكير الناس بضرورة التهيؤ لاستقبال هذا الشهر والعمل على تحصيل خيراته ونفحاته، وعدم تضييع لحظة مباركة من لحظاته؛ فمن فاته هذا الشهر فاته الخير الكثير كما أخبر نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: “أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ” (سنن النسائي).ولما هممتُ بكتابة هذا المقال، حِرْتُ في أمري في أي موعظة أتحدث أم أيَ حديث من أحاديث رسول الله أَسوق أم بأيِ آية من كتاب الله أُذَكِّرْ؟ ولا أرغب بتكرار ما يسمعه الناس ويقرأونه، فيصيبهم الملل والضجر، ونفقد حينها معنى التذكرة والموعظة والعبرة. وقد تَعوَّد الناس في كل مرة سماع ذات الأحاديث، وحفظوا آيات الصيام من كثرة تردادها على المنابر وفي الصلوات، وهم بالفعل يستعدون لرمضان ولديهم النية الناجزة لصيامه وقيامه، مسلمون هم، يعلمون أن من تمام إسلامهم إقامة أركانه، والصوم ركن متين من أركانه، ولن يفرطوا فيه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أما من أعذرهم الله فقد أعذرهم الله، ما أراد سبحانه عسراً بهم بل أراد اليسر، كما أخبرت آيات الصيام: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” (البقرة: ١٨٥).

إذن، ما العمل يا سادة؟ هل أتوقف هنا وأترك لكم بقية المقال صفحة بيضاء؟ ربما تكون فكرة سديدة إذا قُصدَ منها النظر إلى ذلك البياض الذي ينبغي أن تكون عليه قلوبنا، والذي يُتحصل عليه من رمضان؛ شهر التنقية والتخلية والتوبة والعودة والرجوع إلى الله، هل يرضيكم هذا؟ أم تغضبون؟ أم ربما أنكم لا تقرأون أساساً، كما قال لي أحدهم متسائلاً: لمَ تُتْعِبُ نفسك بالكتابة وأنت تعلم أن أمة “اقرأ” لا تقرأ؟! فأجبته إن كانوا لا يقرأون فأنا أقرأ! ضحك مستخفاً وقال: تقرأ وأنت الكاتب؟ قلت: نعم، أقرأ مقالي عشرات المرات، وأجد أخطائي وأُصلحها، وأتفكر في المعاني والأفكار وأضبطها، وإن عزّ القراء ففي نفسي العزاء لنفسي، أكتب لنفسي وأقرأ لنفسي، طالما أن هناك كاتباً فلا شك أن هناك قارئ!

تعلمون أمراً، تذكرت للتو قصة مشابهة لما نتحدث به، وبما أن هذه الأيام أيام تذكرة وتهيئة لرمضان شهر القرآن، ففي هذا القصة الشيء الكثير مما نبحث عنه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ‏”‏اقْرَأْ عَلَيّ‏”‏‏.‏ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ: ‏”‏نَعَمْ”‏‏.‏ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ‏”‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا‏”،‏ قَالَ: ‏”‏حَسْبُكَ الآنَ”‏‏.‏ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ‏.‏ طالما أن هناك قارئاً للقرآن فلا بد أن هناك سامعاً له، وإن كان القارئ نفسه. كما أنه لا يُتخيل فصل الكتابة عن القراءة، لا يُتخيل فصل القراءة عن الاستماع. الرسول صلى الله عليه وسلم خير من يقرأ القرآن وهو خير من يستمع له، ومن تقديره وحبه لتلاوة ابن مسعود أمره بالتلاوة، وما أخطأ عبد الله بن مسعود بسؤاله، لكن الدرس الذي أراده لنا رسول الله أنه إن لم تتمكن من قراءة القرآن فلا أقل من الاستماع، وهذا ما ذكره الله صراحةً في نسق عجيب فائض الجمال بليغ الكمال: “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الأعراف: ٢٠٤). كثير من الناس لا يستطيعون تلاوة القرآن وإن استطاعوا قد لا يجدوا الوقت لذلك، لكن لا عذر لمن لا يستمع ولو لشيء يسير من القرآن، فهذا شهر القرآن وإن لم تكن فيه قارئاً فلتكن فيه مستمعاً.

شارف المقال على الانتهاء أيها السادة القراء، وقد تذكرنا معاً بعض دروس رمضان وبعضاً من معانيه؛ في أنه شهر اليُسر لا شهر العُسر، شهر التنقية والتخلية مما علق بنا في عامنا الذي سبق قبل رمضان من آثامنا ومعاصينا، شهر القرآن الذي نقرأ فيه القرآن ونستمع له ونستمتع به ونأنس بآياته ومفرداته. وفي هذه الدروس الثلاثة زاد لمن أراد الزاد، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. أما أنا فقد ملأت مقالي بكلماتي، عسى أن تجد هذه الكلمات مكاناً في قلوبكم كما وجدت مكاناً لها هنا، وإلى مقال آخر، ورمضان آخر بإذن الله.

الشيخ جعفر حوى