جاء الإسلام ليحفظ للإنسانية ضروراتٍ خمس: الدين والنفس والعقل والعِرض والمال، ولا يستقيم أمر إنسان إلا بحفظها والعملِ عليها كما أوصى الله الخالق المدبِّر، ولذلك سميت بالضرورات. ويكاد يُجمع علماء الأصول على أن الدين ضرورة تأتي في أعلى القائمة، لقول الله صراحة: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: ٥٦)، فجعل الله علة الخلق أساساً العبادة، ولكنه مع ذلك ما ألزم الإنسان اختياراً معيناً بل أعطاه الإرادة الحرة ليختار، فقال لنا: “لا إكراه في الدين” (البقرة: ٢٥٦)، ولحفظ هذه الضرورة نفى الله حصولها بالإكراه، فـ”لا” في قوله “لا إكراه” نافيةٌ وليست ناهية، بمعنى أن الدين لا يمكن أن يتأتى بإكراه الناس عليه، وما لأحد أن يفعل ذلك، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبه ربه: “ولو شاء ربك لآمَنَ من في الأرض كُلهُم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟” (يونس: ٩٩).

من خطاب الله لنا: “لا إكراه”، نستخلص أن الإكراه ينبغي ألا يكون منهجاً مستعملاً في شؤوننا كلها حتى وإن كان الأمر ضرورياً ناجزاً كضرورة الدين، ومن باب أولى ألا يكون الإكراه في أي أمر آخر، فلا شيء يستحق أن نُكره الآخرين عليه، وإن كان الإكراه يأتي بخير لكان مُحبباً في شأن الدين الذي هو علة الخلق أساساً.

إذن ما السبيل؟ إذا لم تكن دعوة الناس على اتباع الدين أو حتى تطبيق شعائره بالإكراه، خصوصاً في الأسرة الواحدة مع الأولاد والبنات، بين الأزواج والزوجات، ما الحل إذن لدفع الناس للإصلاح والخيرات؟ هنا يأتي دور مبدأ ثانٍ حث الله عليه صراحة في قرآنه الكريم أيضاً، في قوله تعالى: “وقولوا للناس حُسْناً” (البقرة: ٨٣).

“وقولوا للناس حُسْناً” منهج ربانيّ عريق، حضاريٌّ وثيق، كل الناس فيه ضمناً، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، كافرهم ومسلمهم، ذكرهم وأنثاهم. كلها دوائر تكبر شيئاً فشيئاً، وتتعمق المسؤولية والأهمية كلما صغُرت تلك الدوائر، أولها وأهمها دائرة العائلة الواحدة في أقرب المقربين منك، هؤلاء أولى الناس بك، أولى الناس بالحَسن من كلامك، أولى الناس بإحسانك، فإذا ما بدر الخطأ من واحد منهم مهما اختلفت درجته؛ إن قصروا في أداء شعائر الله، أو حتى إن ارتكبوا الكبائر من الآثام، أو أي أمر لا يروق لصاحب خلق ولُبٍّ نقيّ، هل دورك منحصر في أن تُغلظ القول لهم؟ أن تُكرههم على إصلاح أنفسهم؟ أن تلزمهم الطاعة والاتباع؟ أن تشق عليهم بشدتك وفظاظتك؟ إذا ما فعلت فأنت في الغالب تربي فيهم خصلة النفاق حتى يكونوا لك أمامك مثلما تريد، ثم إذا ما خلوا بأنفسهم عادوا كما أرادوا بعيداً عن أعين الرقيب! لذلك علمنا الله كيف تكون الدعوة الناجعة الناجحة: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (النحل: ١٢٥)، إذا ما اتبعنا هذا النهج فإن النتائج في غالب الأمر تكون كما نرجو ونشتهي، ولست مطالباً بالنتائج ولست محاسباً عليها، إذ أن دورك هو البلاغ والإرشاد.

كرَبٍّ لأسرة، كأب وزوج، أنت مطالب بالتوعية والتذكرة والتوجيه والنصح والإرشاد، ليلاً نهاراً، سراً جهاراً، لا تكل ولا تمل، فإذا وقفت أمام ربك تقول: أي رب، أفنيت عمري في نصح ولدي ليصلي لكنه ما فعل، أذهبت حياتي أجادل ابنتي بوضع الحجاب ولم تفعل… يكفيك أن تحاول دونما كسل، يكفيك أن تملأ قلبك بالأمل، مع الدعاء والإخلاص لله، قد يحقق الله لك المراد وإلا فـ”لا تزِر وازرة وِزر أخرى”، “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”، ومن جميل الألطاف أن هاتين الآيتين جاءتا في سورة واحدة؛ سورة النجم، ليتأكد مفهوم الارتباط بين المبدأين العظيمين في فهم سياسة الدين والحياة.

يا عباد الله، من في الخلق كلهم أقبح من فرعون؟ فرعون الذي ادعى أنه ربّ، خاصم الله في ملكه، قال: “أنا ربكم الأعلى” (النازعات: ٢٤)، لكن الله مع جبروت فرعون وتكبره، أرسل له موسى وهارون موصياً وموجهاً: “اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى” (طه: ٤٤)، وكما قال الإمام القرطبي: ما القائل منا بأفضل من موسى وهارون – يقصد في مقام النبوة – وما العاصي بأخبث من فرعون – يقصد في مقام ادعاء الربوبية – ومع ذلك أراد الله لموسى وهارون أن يتلطفا له بالقول، ثم قال الله: “لعله يتذكر”، ولعلّ في اللغة تفيد معنى الترجي، ولا تُثبت معنى التحقق، ليتأكد لدينا معنى أن نقوم بما هو منوط بنا في واجب الدعوة والإصلاح وندعَ النتائج على رب النتائج.

خلاصة القول، أزواجنا أولادنا مجتمعنا، نعيش كلنا اليوم في عالم مفتوح، كل ما يريده المرء مُتاح مَشاع، إن كان خيراً أو كان شراً، وأنت سيد الاختيار، لذلك إن لم نكن على قدر من الفهم والوعي في علاج ما يعرض لنا من مساوئ، خسرنا أزواجنا وأبناءنا ومجتمعنا والله نسأل السلامة… وإنما في الواقع نخسر بذلك أنفسنا! لذلك علينا بأمر الله في الدعوة إليه بِحُبْ، بصِدْق، بوَعْي، برِفْق، بشَفَقَة، بإخْلاص، وكفى به ولياً وكفى به نصيراً. وختاماً بحديث أُمِّنا عائشة فيما روت عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زَانَهْ ولا يُنْزَعُ من شيء إلا شَانَهْ” (صحيح مسلم)، فترفقوا يا عباد الله يترفَقِ الله بكم.

By Sh Jafar Hawa