من خلال عملنا في خدمة بيت الله نتلقى الكثير من الأسئلة بشكل يومي، منها ما يتعلق بشأن خاص يهم صاحبه، ومنها ما قد يستفيد منه عامة الناس في حياتهم اليومية في رحلتهم إلى الله. في هذا المقال سأفرد بعضاً من هذه الأسئلة مع أجوبتها بما يفتح به الله، وأسأل الله الفتح والتسديد والمغفرة لكل خطأ أو زلل.

يسألونك سؤالاً يتكرر كثيراً: ما حُكم تارك الصلاة؟ ويأتونك بالكثير من الفتاوي والأدلة التي تثبت عليه الكفر والخروج من الملة، والأمر ليس من السهولة بمكان؛ في أن نطلق صفة التكفير على خلق الله دونما تثبت أو دراية، أو أن نكون حريصين على إثبات الكفر على فلان أو فلان، ونتناسى كم كان النبي ﷺ صاحب شفقة وحسرة على خلق الله يسعى لإنقاذهم من النار ويحرص على إدخالهم الجنة، إلى أن خاطبه الله بقوله: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس: ٩٩). فرق الفقهاء بين تارك الصلاة جحوداً وإنكاراً لفرضيتها وبين من تركها تكاسلاً أو تناسياً لأولويتها، فمن أنكر وجحد فقد أنكر وجحد معلوماً من الدين بالضرورة، وجحد الله في أمر من أوامره التي وردت في المئات من الآيات والأحاديث، ولا يختلف حول هذا أطفالنا الصغار الذين يتعلمون الصلاة من نعومة أظفارهم فضلاً عن آبائهم وأمهاتهم. في حين أن الفقهاء قالوا في حق المتكاسل الذي يقطع مرة ويصلي مرة، أنه أقرب إلى الفسوق منه إلى الإيمان، ولا بد له من المحافظة على الصلاة طمعاً في راحة الفؤاد في الدنيا، والنعيم المقيم في الأخرى، وقالوا: من صلى أربعين يوماً متصلة من غير تفويت لأي فريضة لا يمكن إلا أن يستمر في أداء هذه الفريضة لما يجد من اللذة. من جميل ما ذكر في موضوع تفويت الصلاة أن الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- المتوفى في العام ١٩٩٦م سُئل ذات السؤال: ما حكم تارك الصلاة؟ فأجاب: حكمه أن تأخذ بيده إلى المسجد! نعم، ما كنا يوماً قضاة على عباد الله و “إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ” (النمل: ٧٨)، بل الواجب أن نكون في كل أحوالنا دعاةً إلى الله وإلى منهج رسول الله، ننصح بصدق وأمانة، ونحمل الخير في قلوبنا لكل الناس، ولا نفرح لما يحصل منهم من زلل أو خطأ، فما كان هكذا الأنبياء والدعاة إلى الله يوماً.

ثم يسألونك: ما حكم من يغلق هاتفه أثناء تلقيه لمكالمة في صلاة الجماعة؟ أقول أن الواجب أولاً على كل مصلٍ أن يقوم بإغلاق هاتفه قبل الدخول في الصلاة؛ حفظاً لصلاته وصلاة جماعة المسلمين معه، من أن يختل خشوعها واطمئنانها. لكن إن وقع التقصير من أحد ما، وفاته إغلاق جرس هاتفه قبل الدخول في الصلاة، فإن من واجبه أن يغلق جرس هاتفه أو أن يرفض تلك المكالمة، ويؤجر على ذلك إن شاء الله لأنه يحفظ صلاة جماعة المسلمين الذين حضروا للمسجد، ولا تضيع صلاته إن تحرى الحركة المقيدة التي يحتاجها دون زيادة؛ فمن غير المقبول مثلاً أن يمسك الهاتف وأن يرفعه أمام عينه ليرى اسم المتصل ثم بعد ذلك يرفض المكالمة، في حين أنه يستطيع رفض المكالمة وإغلاق الجرس والهاتف في جيبه، ولو اضطر لإخراج الهاتف فلا يجوز له إمعان النظر فيه، لما في ذلك من خلل في خشوع الصلاة التي إنما كانت لأجل أن ينقطع المرء عن الدنيا ويتعلق بالله فحسب.

يسألونك أخيراً: ما حكم إحضار الأطفال الصغار إلى المساجد؟ أقول لا بد أن نعلم أولاً أن المساجد إنما هي محاضن للمجتمعات المسلمة، وليست مجرد أماكن لإقامة الصلاة، وإن كانت قد أسست لهذا المقصد العظيم، لذلك فكل فرد مسلم من أبناء المجتمع المسلم له حق في ذلك المكان في أن يستفيد منه وأن يعمره بالطريقة التي يرضاها له الله، لكن السؤال في ظني ينبغي أن يكون: ما حكم إحضار الأطفال الصغار إلى صلاة الجماعة؟ وهنا لا بد من التفريق بين الطفل المميز وغير المميز، فلو أحضر والد ما طفله ذو السنوات الخمس والذي يصلى إلى جنب والده دونما حركة أو لعب أو تشتيت لصلاة المصلين فلا حرج مطلقاً، بل هذا محبب محبذ. بينما لو أحضر والد ما طفله ذو السنوات السبع الذي لا يكف عن الركض بين المصلين وإصدار الأصوات وتجاوز الصفوف والمرور من أمام الناس وتخطي رقابهم، لا يكف عن تشتيت جميع المصلين غير آبه لا بصلاة ولا مصلين، ولا بمسجد ولا بساجدين… فمن غير المقبول مطلقاً إحضار أمثال هؤلاء الأطفال حتى يتقنوا الصلاة ويعرفوا آداب الحضور إلى المساجد، حتى وإن كان في السابعة من العمر؛ فالتمييز أن يعلم الطفل الصحيح من الخاطئ وهذا يتفاوت بين الأطفال وقد لا يتعلق بالعمر بل بأسلوب التنشئة والتربية. هناك نوع ثالث من الأطفال الذين يحضرون للمسجد ويجلسون خلف المصلين، وربما يتمشى الواحد منهم في آخر المسجد أو حتى يهرول دون بلبة واضحة أو تشويش يضايق المصلين، مجرد حضوره للمسجد وإن لم يبدأ الصلاة مع الجماعة بعد فيه رسالة تبقى في ذهنه طيلة عمره، فينشأ نشأة المساجد، ويكبر ويغدو بإذن الله من عُمّار المساجد بحق، ولو قمنا بمنع أمثال هؤلاء الأطفال من حضور المساجد فنحن نخسرهم مستقبلاً، كما يقول بعضهم: إن لم تسمع قهقهة الصغار وركضهم خلف المصلين فعليك أن تقلق على الجيل القادم! حضورهم دربة لهم ليصلّوا مستقبلاً، وإن بدر منهم الخطأ الذي لا يعذرون فيه هم ولا آباؤهم، فلذلك أساليب حكيمة تعالج فيها مثل هذه القضايا، ولا يكون الحل بطردهم خارج المسجد، فلا هم يعودوا ولا آباؤهم… يكفي أن نعلم أن رسول الله ﷺ قد أوقف خطبة الجمعة التي هي أعظم محفل يجتمع فيه المسلمون في كل أسبوع من أجل أحفاده الحسن والحسين رضي الله عنهما وقام بحملهما وتقبيلهما ثم عاد إلى خطبته وأكملها في درس بليغ كيف ينبغي أن نتعامل مع أطفالنا في رحاب الله، هؤلاء هم قادة المستقبل ورجالاته، فلينشؤوا في بيوت الله فضلاً عن أن ينشؤوا في أماكن أخر. حفظ الله أبناءنا وأبناء المسلمين، وجعلهم فيهم خيراً لأنفسهم ولعباد الله أجمعين، اللهم آمين.

الشيخ جعفر حوى