قبل أيام، احتفل المجتمع الأمريكي بعيد الشكر، أو ما يعرف بـ Thanks giving، والذي يعتبر عيدا قوميا تحتفل به البلاد كل عام في الثامن والعشرين من نوفمبر. والحقيقة أن المسلم الذي يعيش في الغرب ينبغي أن يكون واعيا لما يدور حوله من الأحداث، ويعرف أبعادها التاريخية والاجتماعية والدينية، حتى يتمكن من الانخراط في المجتمع، والمشاركة فيه مشاركة فاعلة، دون أن يفقده ذلك هويته وإحساسه بذاته، خاصة أن الثقافة الأمريكية قد أصبحت تشكل جزءا لا يستهان به من شخصية المسلم الذي يعيش في الغرب، وبشكل أكبر ضمن الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين الذين ولدوا في الغرب، ونشأوا ضمن المجتمع الأمريكي، وتأثروا بثقافته وعاداته، وأخذوا من تقاليده وتطبعوا ببعض طباعه. ولذلك كان من الضروري أن نلقي الضوء على هذه المناسبة من خلال بعض الوقفات التي نتطرق فيها إلى هذه القضية من المنظور التاريخي والاجتماعي والديني والثقافي، حتى نصل إلى تصور واضح عن الموقف المناسب للتعامل معها ومع مثيلاتها.
لدى البحث عن الجذور التاريخية لهذه المناسبة تطالعك قصة مجموعة من المهاجرين الذين فروا من الاضطهاد الديني في أوروبا بحثا عن حياة أفضل في القارة الأمريكية، وكيف أنهم، بعد رحلة مرعبة، مليئة بالأهوال، هلك فيها كثير منهم، قد بلغوا شواطئ العالم الجديد سنة 1620، فيما بات يعرف اليوم بمدينة بليموث، في ولاية ماساتشوستس. إلا أن وصولهم قد تزامن مع حلول فصل الشتاء، فتسبب البرد القارص، إضافة إلى الخبرة شبه المنعدمة في الزراعة، في وفاة العديد منهم، مما دفع أحد زعماء قبائل السكان الأصليين، المعروفين بالهنود الحمر، إلى مد يد المساعدة لهم، ومحاولة استنقاذهم من معاناتهم، حيث قام هؤلاء السكان الأصليون بتعليمهم فنون الزراعة والصيد، وبعد نجاح أول موسم من مواسم الحصاد، أقام هؤلاء المهاجرون الإنجليز احتفالا لمدة ثلاثة أيام، دعوا إليه السكان الأصليين، ليشاركوهم الصلاة والشكر، ويقال إنهم قد تناولوا الديك الرومي في تلك المأدبة، فأصبح ذلك تقليدا اجتماعيا سنويا، إلى أن تم إقراره كمناسبة قومية في الثالث من أكتوبر عام 1863، من قِبل الرئيس الراحل أبراهام لينكن، أثناء الحرب الأهلية. ثم تم تثبيته كعيد قومي في عهد الرئيس الراحل فرانكلين روزفلت عام 1942، بعد قرار من الكونغرس عام 1941 .
مما سبق، نعرف أن هذه المناسبة تعتبر مناسبة قومية، ذات أصول ترجع إلى التقاليد الاجتماعية الأمريكية، مما يساعدنا على اتخاذ الموقف الصحيح تجاهها، وتوجيه أسرنا وأبنائنا إلى كيفية التعامل السليم معها.
فمن حيث الأصل، فإن الإنسان المسلم يعتبر نفسه مبادرا إلى جميع الأفعال الخيّرة، والخصال الجميلة، سباقا لغيره فيها، ومن ذلك أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – بعد أن هاجر إلى المدينة، ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء شكرا لله تعالى على نجاة موسى وقومه من فرعون وجنوده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نحن أحق وأولى بموسى منكم”. فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه .
فإذا ما جئنا إلى مفهوم “الشكر” في الإسلام، نجد أنه يشكل أحد الركائز الأساسية في الدين، حيث يبين لنا القرآن أن الشكر لله هو سبيل الهداية، في مقابلة الكفر الذي هو سبيل الضلال، قال تعالى: “إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا”. واعتبره علامة على العبودية الصادقة للخالق “واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون”. كما بين أنه سبب لزيادة النعمة، وتوقي العذاب والنقمة “وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد”، “ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم”. كما أشاد بعباده الشاكرين، فقال في حق نوح – عليه السلام – : “إنه كان عبدا شكورا”، ووصف إبراهيم – عليه السلام – بأنه كان “شاكرا لأنعمه” وغيرها كثير من الآيات التي تدور حول هذا المفهوم.
وقد طبق الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – والمؤمنون من بعده هذا المفهوم على أكمل الوجوه، فنجد الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول له عائشة رضي الله عنها: لمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيجيبها: “أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا” .
من خلال ما تقدم نعلم أن مفهوم الشكر هو حقيقة راسخة، وقاعدة أساسية من قواعد الدين الإسلامي ومرتكزاته، إلا أن الشكر لا يختص عند المسلم بوقت معين، بل هو شاكر لله في كل أوقاته، وعلى جميع أحواله وتقلباته، فقد علمنا رسولنا – صلى الله عليه وسلم – كيف نكون شاكرين لله على جميع أحوالنا، قال – صلى الله عليه وسلم – : “إن الله ليَرضى عن العبد أن يأكل الأَكلة، فيَحمده عليها، أو يشرب الشَّربة، فيحمده عليها” . وعلمنا من أذكار الحمد والشكر والثناء ما تلهج به ألسنتنا في كل حال نتقلب فيه في نعمة من نعم المولى سبحانه، الدينية منها والدنيوية، بل علمنا مفهوما راقيا من الحمد، يتجاوز حمد الله وشكره على النعماء، إلى حمده على الضراء كما نحمده في السراء .
فليس الشكر هنا مجرد اجتماع سنوي، وتقليد عائلي، نقضيه في الأكل والشرب، وإنما يكون الشكر في الإسلام بالطاعة والحمد والثناء والصبر على البلاء والرضى بالقضاء، وإن اقترن بذلك شيء من الطعام والشراب والمتع الدنيوية المباحة، كما ذكر صلى الله عليه وسلم في حق أيام التشريق التي تتلوا عيد الأضحى: بأنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ، ولذلك نهى عن صيامها كما نهى عن صيام أيام العيدين. بل إن مفهوم الأكل والشرب هنا لا يتم إلا بإطعام الجائع ومساعدة المحتاجين، كما قال تعالى: “فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر”.
على أن مفهوم الشكر في الإسلام لا يقف عند شكر الإله سبحانه وحده، بل يتعداه إلى شكر الخلق، والعرفان بجميلهم، أن جعلهم الله أسبابا لوصول نعمه إلينا، ولذلك نجد القرآن يقرن بين شكره سبحانه وشكر الوالدين في قوله جل وعلا: “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ”. بل جعل شكر الناس داخلا ضمن مفهوم شكر الله تعالى، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ” . وقد طبق – صلى الله عليه وسلم – ذلك عمليا، فها هو يعترف لأبي بكر بالفضل قائلا: “ما لأحد عندنا يدا إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة” . ويحفظ الفضل لخديجة – رضي الله عنها – حتى بعد وفاتها ، بل وحفظ المعروف لأعدائه كما حفظه لأصحابه وأتباعه، كما في قوله يوم بدر: “لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلَّمني في هؤلاء النتنى (يعني أسرى المشركين) لتركتُهم له” . عرفانا لجميله السابق حيث أجاره لدى عودته من الطائف.
فإذا تقرر ما سبق من المعاني الراقية لمفهوم الشكر في الإسلام، عرفنا أن المسلم أحق الناس بالتميز بهذا المعنى العظيم، ولكن السؤال: هل ينبغي لنا كمسلمين أن نستثمر هذه المناسبة، أعني يوم الشكر، ونجعلها وسيلة لتقديم الشكر لله تعالى، وفق تعاليم ديننا، كما فعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – في حق يوم عاشوراء.
وبعيدا عن الجدل الفقهي حول موضوع الاحتفال أو المشاركة في مثل هذه المناسبات، وهو ما سأتطرق إليه بالتفصيل في المقالة القادمة، إلا أنني لا أجد – في وجهة نظري الخاصة – مانعا من جعل هذه المناسبة، وشبيهاتها من المناسبات الاجتماعية، وسيلة لتحقيق مصالح مطلوبة شرعا. فلا أرى ما يمنع من اجتماع العائلة في ذلك اليوم، من باب صلة الرحم، وتعميق أواصر المحبة بين الأسرة والأقارب، خاصة في ظل ما نعانيه من تأثيرات الحياة المادية المعاصرة، التي ألحقت بأسرنا قدرا كبيرا من التفكك والتباعد.
كذلك لا مانع من استثمار هذه المناسبة في تفقد المحتاجين، وتقديم الطعام للجائعين، وتحقيق التقارب والتعارف وكسر الحواجز بيننا وبين مختلف مكونات المجتمع الغربي، بل نحن أولى الناس بتحقيق هذه المصلحة المطلوبة شرعا وعقلا، والأجدر بنا ألا ندع غيرنا يسبقنا إليها دون أن نشارك فيها ويكون لنا دور فعال ضمنها.
على أننا ينبغي أن نكون واعين إلى قضية مهمة، وهي ألا نجعل تحقيق مثل هذه المصالح مقصورا على مثل هذا اليوم، فالشكر لله قضية ينبغي أن تكون حاضرة في كل وقت وحين في حياتنا، والرحم التي نصلها في ذلك اليوم لا يجوز لنا أن نقطعها بقية العام، كما أن برّ الوالدين لا يقتصر على يوم الأم ويوم الأب، بل ينبغي أن يكون حقيقة دائمة في حياتنا، ولا مانع من استثمار مناسبات اجتماعية معينة لتقديم مزيد من ضروب البرّ والصلة والتقارب.
أختم مقالتي بما يلي: يروى أن داود – عليه السلام – قال: يا رب، كيف أشكرك؟ وشكري لك نعمة عليَّ من عندك تستوجب بها شكرًا، فقال: الآن شكرتني يا داود. إن حقيقة الشكر وروحه إنما تقوم على أساس الاعتراف بالعجز والتقصير عن أداء حق المنعم ووفاء شكره، والانطلاق من هذه الحقيقة إلى تحقيق الإحسان إلى الخلق ونشر المودة والتسامح بينهم، أما اختزال هذه المبادئ السامية في مجرد طقوس جوفاء، لا حياة فيها، فهو إماتة لها وتضييع لحقائقها ومعانيها. إن إدراك هذه المعاني هو أول خطوة لتحقيق الشكر واقعا عمليا مثمرا، كما أوصى سبحانه وتعالى آل نبيه داود – عليه السلام – قائلا: “اعملوا آل داود شكرا، وقليل من عبادي الشكور”.
الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

1 حول الخلفية التاريخية لهذه المناسبة: https://www.bbc.com/arabic/world-50599740و https://www.alhurra.com/a/what-is-the-story-behind-thanksgiving-america/215496.html
2 أخرج روايات هذه الحادثة الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما، وغيرهما من أئمة الحديث.
3 متفق عليه.
4 أخرجه مسلم.
5 أخرج الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يحب يقول: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات”. وإذا رأى ما يكره يقول: “الحمد لله على كل حال”، وصححه الألباني. وابن ماجة أنه – صلى الله عليه وسلم كان يقول: “الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار”. وحسنه الألباني.
6 أخرجه مسلم.
7 رواه أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
8 أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
9 حيث أجاب عائشة حين قالت له إن الله أبدلك خيرا منها، فقال: “والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الولد دون غيرها من النساء”.
10 أخرجه البخاري.