هل تخيلت يوما عمّا سيكون موضوع لقاء أعظم شخصيتين في تاريخ البشريّة؟

أعظم وأجلّ وأفضل من في الأرض؟ في معجزة الزمان والمكان، في مكان متفرّد، وموقع استثنائيّ؟ رسل رب العالمين، يبعثون رسالة لنا، رسالة يحملها الصادق الوعد الأمين وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تلك الرسالة من خليل الله إبراهيم بن ازر بن ناحور.

لا شك أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم هما أعظم شخصيتين في تاريخ البشرية، فمتى التقيا؟ وأين كان موقع الاجتماع؟ وما موضوع الاجتماع الذي دار الحوار بينهما على أساسه؟

التقى سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بسيدنا إبراهيم، لما أسري برسول الله ثم عرج به الى السماء السابعة.

حيث جاء في صحيح البخاري في قصة الاسراء والمعراج: “ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت من هذا؟ قال: هذا ابراهيم”.

وجاء في بعض الروايات ان النبي صلى الله عليه وسلم التقى بإبراهيم، وإبراهيم مسند ظهره الى البيت المعمور، والله اعلم.

اما الموضوع الذي دار بينهما والقضية التي فتحت في الاجتماع، والرسالة الهامة التي أراد إبراهيم ايصالها لامة محمد، فقد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة من الصحابة، وهم ابن مسعود وأبو أيوب الانصاري وعبد الله بن عمر، وابن عباس.

“قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم ان الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وان غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله اكبر

لا يمكن ان نمرّ على هذا الحديث، وعلى هذا الاجتماع بين سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم صلى الله عليهما وسلم، في السماء ليلة الاسراء، إلا وتستولي علينا الدهشة من هذا الامر الذي اهتم به إبراهيم الخليل وطلب من نبينا محمد ان يوصله لنا.

بمجرد ان يقرأ المسلم قول أبينا إبراهيم “يا محمد أقرئ أمتك مني السلام” فانه يشعر بشيء من حنين الانتماء والصلة، انه ابونا إبراهيم، وهو ابونا بنصّ القران “ملة ابيكم ابراهيم” فهو مهتم بنا ويسلم علينا، وفي معنى الابوة ها هنا، ذكرها اهل التفسير أي الإحساس بالأهمية والمكانة، والبعد الاخر من الرسالة هي ان إبراهيم الخليل رجل ارتحل الى ربه، وهو أخبر ما يكون بأنفع شيء لمن لم يمت بعد.

فتخيل ان رجلا ذهب الى الخالق عز وجل، ثم يرسل لنا وصية بعد موته وارتحاله عن هذه الدنيا، انها وصية قادمة من المستقبل الذي سنؤول اليه، وماذا كانت الوصية؟ انها وصية تحجز لك مقعدا في الجنة، فسيدنا ابراهيم يخبرنا ان الجنة ارضها طيبة مباركة، ومياهها عذبة حلوة، وان الله عز وجل خلق فيها مساحات مستوية لا نبات فيها، فهي قيعان، لكي يغرس المؤمن فيها اشجاره بقوله: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله الا الله، والله أكبر”

سيدنا ابراهيم يريد منا ان نستثمر هذه الفرصة طالما اننا ما زلنا في هذه الدنيا فنستكثر من الغرس في الجنة قبل ان نقدم على الله.

تخيل واستشعر حينما تقول “سبحان الله…” فستغرس لك شجرة في جنات عدن! وتخيل أنك تدل صديقا او قريبا على فضل ذكر الله، وكلما قالها غرست له شجرة في الجنة، وغرست لك مثلها، فكما في صحيح مسلم “من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله”.

وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لأن اقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله الا الله والله أكبر، أحبّ اليّ ممّا طلعت عليه الشّمس.”

فالذّكر أنيس الذاكرين، قال ابن القيم: به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا اظلهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت به النوازل، فإليه مفزعهم، فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون، ورؤوس اموال سعادتهم، التي بها يتاجرون، يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا، ويوصل الذاكر الى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورا”

أحمد المصطفى