الحمد لله الذي جَبَلَ الإنسان وكرّمه، وخلق كلّ شيءٍ فقدّره تقديرا.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ…}.
في تفسير قوله تعالى، يروي الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية: “أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنَّ في حاجة أن يُغطين وجوههنَّ من فوق رؤوسهنَّ بالجلابيب ويُبدينَ عيناً واحدة”.
تبدأ الآية بحرف نداء للبعيد (يا) يتبعه المنادى (أي) ثم (ها) التنبيهية، وصيغة {يا أيها النبي} هي الصيغة المتداولة التي يخاطب الله بها نبيّه محمد عليه الصلاة والسلام. فإذا وقفنا عند أمر الله ومُراده ومحور الطلب، وجدنا أن الله يوكل مهمة إبلاغ المؤمنات، ذلك عبر الفعل {قُل} (وهو فعل أمر). وبهذا ينتهي عمل النبي بمجرّد التبليغ.
ويربط الله عزّ وجل بين عبارة {يا أيها النبي قل} وعبارة {أزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} بحرف الجر {لِ} الدال على التضمين، فقول الله لرسوله يجب أن يتفرّع منه قول الرسول لأهله ونساء المؤمنين.
هنا سؤال يطرح نفسه، لماذا بدأ الله بأزواج النبي وثنّى ببناته وانتهى بنساء المؤمنين. ولماذا ذكر الله كلمة الأزواج باعتبارها جمعاً لكلمة زوج بدل زوجات جمعاً لكلمة زوجة؟
الله يغار على عباده، ويغار أكثر على المؤمنين منهم وعلى نبيّه وأهله وآل بيته أكثر وأكثر.
يروى أنّ مجموعة من الأرقّاء وفدوا ذات يومٍ على خطيب المسجد طالبين منه الحديث في خطبته عن أجر تحرير رقابهم وتركهم لحرّيتهم، ذلك أنّهم يعاملون بقبحٍ ويعانون أسوء معاناة. لم يتكلّم الخطيب بالأمر إلّا بعد مرور ثلاثة أسابيع، وحين سُئل عن السبب أجاب: لم يكن عندي من الرقّ أحد، فاشتريت عبداً أول أسبوع، وتركته عندي في الثاني، وأعتقته في الثالث، وكنت أخشى أن أطلب من الناس أمراً لم أطبّقه على نفسي.
لذلك أمر الله النبي بتبليغ زوجاته أولاً باعتباره وكيلهم والمسؤول الأول عنهم، فينفّذ أمر ربّه بدءاً من نفسه ومن زوجاته. ثمّ انتقل إلى بنات النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار أزواجهنّ هم وكلاءهم بالدرجة الأولى (نزول الآية كان في السنة الخامسة للهجرة وفي هذا التاريخ كانت كل بنات النبي من المتزوجات)، وانتهى أمر التبليغ إلى نساء المؤمنين.
يُفرِّق بعض علماء اللغة بين كلمة “زوج” وكلمة “زوجة” المستخدمتَيْن للدلالة على المؤنث دون المذكر، ويذهب هذا البعض إلى إعطاء كلمة “زوج” قيمة معنوية أكبر من تلك التي أعطوها لكلمة “زوجة”. هذه القيمة التي اكتسبتها لفظة “زوج” أتت باعتبارها مرادفاً دقيقاً لكلمة “قرين”. لهذا كان استخدام كلمة “أزواج” بدلاً من “زوجات” للإشارة إلى غيرة النبي على نسائه، وقبل هذا هي غيرة الله على آل بيت رسوله عليه الصلاة والسلام، ذلك أنّ الكلام هو كلام الله سبحانه وتعالى.
وبالوقوف قليلاً عند “نساء المؤمنين” من الجانب النحوي نجد أنّ لفظة “نساء” جاءت اسماً مجروراً ولفظة “المؤمنين” مضافاً إليه، فلماذا لم يرد ذكر لفظة “المؤمنات” اختصاراً للّفظتَيْن؟! مردُّ الأمر عائدٌ إلى أن عبارةً تتألف من اسم مجرور ومضافاً إليه هي أشمل وأوسع دلالة من اسم المجرور منفرداً.
{يُدنين عليهنّ من جلابيبهن} فيها نوعٌ من التقديم، وتقدير الجملة: يدنين جلابيبهن عليهن، فالأصل أن تبدأ الجملة بالفعل ثم الفاعل وبعده المفعول به ويأتي بعدهم ما تبقّى من فضلات -جمع فَضْلة- إن وُجِدْ. فتقديم حرف الجر “على” على المفعول به “جلابيب” فيه دلالةٌ على أن ستر الجسد له أهمية أكبر من نوع السِتار وأداته؛ فقولك “جاء أبي منهكاً” دلالته الواسعة هي مجيء الأب، وقولك “منهكاً جاء أبي” فيه تسليط للضوء على حالة الأب وليس على مجيئه.
لقد منّ الله على المؤمنين فحصّن أمنهم المجتمعي والأخلاقي بآية الحجاب، وحفظ أعراض المؤمنات بالحجاب نفسه، فكان بالمؤمنين رحيما.

كتبه بلال شرف الدين