ان العيد هو دفعة أفراح وابتهاج غامرة في حواضر العالم الإسلامي وحتى الغربي الان، فالمسلمون في أيام أعيادهم لا يشغلهم سوى المفاكهة والحياة السعيدة، رغم ما أصاب الامة من مصائب ومكائد، فالعيد هو موسم للبهجة والمرح والتلاقي الاجتماعي، هو موسم عبادة وقُرُبات ونُسُك.

لقد أرشد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أمته لطرائق البهجة النبيلة، وكان يحرص على أن يكون هو ومن حوله أشدَّ الناس فرحا بالأعياد، والحقُّ أن مبعث ذلك هو التوازن بين الروح والمادة، والمرح والجدة!
كان عيدُ النبيّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابه متواضعًا بسيطًا لكنّه أخذ من المَسرّات حظًّا وافرًا ليكون يوم الجمال التامّ في كل شيء بأمر من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرج الحاكم في ‘المستدرك‘ أن الحسن بن عليّ قال: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجودَ ما نَجِدُ، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد”!

فمن مظاهر العيد عند المسلمين،

 التجمّل والتزيّن:
ولعلّ أهمّ تجهيزات العيد هو عناية الناس بزينتهم ونظافة أبدانهم وتجديد ثيابهم، وهو أمرٌ نبويٌّ -كما سبق ذكره- اهتمّ الفقهاء بالتأكيد عليه حتى إنهم فضلوه على الغسل للجمعة مع أن صلاتها فرض والعيد سُنَّة؛ لأن “غسل العيد مأمور به لأخذ الزينة فاستوى فيه من حضر العيد ومن لم يحضر كاللباس، وغسل الجمعة مأمور به لقطع الرائحة -لئلا يؤذي بها من جاوره [بالمسجد]- فإذا لم يحضر زال معناه”؛ وأيضا لأن الشرع “طَلَب.. [في العيد لبس] أعلى الثياب قيمةً وأحسنها منظرا، ولم يختص التزين فيه بمريد الحضور [لصلاة العيد]”! كما يقول الرملي الشافعي في ‘نهاية المحتاج‘.

وقد حرص أعيان الناس وعامتهم على التجمُّل في الأعياد حتى إن الرجال كانوا يتزينون بالصبغ بالحناء والسواد! ومن جميل ما وقع من ذلك ما ذكره ابن عذاري المراكشي ضمن قصة فتح مدينة ماردة الأندلسية 94هـ/713م- من أن قائد الفتح موسى بن نصير، كان حينها قد شاب، فجاءه الروم مرّة فوجدوه أبيض الرأس واللحية، ثم جاؤوه وقد صبغه بالحناء، ثم جاؤوه ثالثة “وذلك يوم عيد الفطر؛ فألفوه قد سوَّد رأسه ولحيته؛ فرجعوا إلى المدينة وقالوا لمن فيها: ويحكم! إنما تقاتلون أنبياء يتشبَّبون (يصيرون شبابا) بعد المشيب! قد عاد ملكهم حَدَثاً (شابًّا) بعد أن كان شيخا!؛ فقالوا: اذهبوا إليه وأعطوه ما سألكم! فوصلوا إليه وصالحوه”؛ وقد كان موسى يتزين للعيد غير عالم بما يدور في صدور أعدائه بسبب تلك المصادفة العجيبة!!

الموائد والولائم:

ان أطايب الطعام والشراب أبهجَ ما في العيد بالنسبة لكثيرين، ولذا كان للأقدمين بها شغفٌ وفنٌّ وتاريخ عريض؛ فقد نقل السيوطي عن أحد جلساء الخليفة المأمون وصفا عجيبا لتنوّع مائدته وخبرته بالطعام وفوائده الصحية؛ فقال: “تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلاثمئة لون، قال: فكلما وضع لون نظر المأمون إليه، فقال: هذا نافعٌ لكذا، ضارٌّ لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم فليتجنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا”!! فبذلك يجتمع الاهل والاحباب، والاقارب والجيران على الموائد والولائم.

العيديّات:

فهو ما كان يُمنح للضيوف عينيًّا دون أن يشعروا وبطريقةٍ غاية في اللطف، وذلك بأن يُحشى الكعك بالدنانير الذهبية بدلًا من السكر، أو تُلبّس الحلوى على فستقٍ من ذهب! فقد ذكر المقريزي قصة هذين الصنفين العجيبين من الضيافة؛ فقال في ترجمة القاضي ابن مُيَسَّر: “وهو الذي أخرج الفستق الملبَّس بالحلوى، فإنه بلغه أن [الوزير الإخشيدي] أبا بكر.. المادَرائي عمل الكعك.. وعمل عوضاً من حشو السكر دنانير..؛ فأراد القاضي ابن مُيسر أن يتشبه بأبي بكر المادرائي في ذلك؛ فعمل صحناً منه لكن جعل فستقًا قد لُبّس حلوى وذلك الفستق من ذهب، وأباحه أهلَ مجلسه”!

اللعب واللهو:

ولم يخلُ العيدُ في الزمن النبويّ من اللهو واللعب؛ إذ أخرج البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين؛ فقال أبو بكر: أمزاميرُ الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وذلك في يوم عيد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا” وزاد البخاري في رواية أخرى: “قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرَق (التروس الجلدية) والحراب، فإمّا سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وإمّا قال: «تشتهين تنظرين؟»، فقالت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده”.

 وكان من أشهر ألعابهم في العيد لعبة: “رمْيُ القبق” التي ذكر ابن واصل الحموي -في ‘مفرج الكروب‘- أن السلطان نور الدين زنكي كان شغوفًا بها. والقبق بالتركية هي: القَرْع، وقد شرحها المقريزي – في ‘الخطط والآثار‘- فقال: “القبق عبارة عن خشبة عالية جدا، تُنصب في براح من الأرض، ويُعمل بأعلاها دائرة من خشب [تُشبّه بالقرعة]، وتقف الرماة بقسيها وترمي بالسهام جوف الدائرة لكي تمر من داخلها إلى غرض هناك، تمريناً لهم على إحكام الرمي، ويعبّر عن هذا بالقبق في لغة الترك”.

وقد سبق ذكْرُنا لخبر الجاريتين الأنصاريتين وغنائهما لعائشة في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم العيد، ولعلّ ذلك ما جعل التابعين يرون أن الغناء وضرب الدفّ في العيد من السُّنَّة؛ فقد روى الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن الإمام الكبير عامر الشَّعبيّ، أنه قال: “مَرَّ [الصحابي] عِيَاضُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَرِيُّ فِي يَوْمِ عيد فقال: ما لي لا أَرَاهُمْ يُقَلِّسُونَ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ؟! قَالَ [الإمام] هُشَيْمٌ: التَّقْلِيسُ: الضَّرْبُ بِالدُّفِّ”.

وقد توسّع الخلفاء بعدُ في الغناء وصنوفه وأحيَوْا ليالي العيد بالطرب؛ ومن ذلك ما أورده ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- من خبر هارون الرشيد ومغنيه الأثير إبراهيم الموصلي؛ فقال: “أتى إبراهيمُ الموصلي يوم العيد عند الرشيد وغنّاه فأطربه، فَقَالَ: يا إبْرَاهِيم، سَلْ ما شئتَ…”! فوهبه الرشيد مسألته وأكرمه.

أحمد المصطفى (بتصرف)