في بداية فصل الصيف، وانتهاء العام الدراسي، تقبل الكثير من المحاضن التربوية والمراكز الاسلامية وغيرها على برامج عديدة فيها النفع والخير لأبنائنا وبناتنا، ولا بد من العمل على الجانب التربوي داخل المحاضن وبناء مربين لديهم من المركزيات والمهارات الكافية والوافية للتعامل مع المتربين وفهم احتياجاتهم والتحديات التي تواجههم، ففي هذا المقال سيكون التركيز على التربية بمفهومها العام، بحيث هي نقطة البداية.

التربية لا بد من ان تكون على ثوابت الاسلام وقيمه العظيمة، بل من الضروري في ظل المؤثرات والملهيات القوية التي تعصف بهذا الجيل، أصبح من المهم ان يحسن المربون في البيوت او المدارس او المساجد من حلقات تحفيظ وغيرها من ادائهم. فبداية لا بد من إدراك اهمية التربية في المحاضن الطلابية تحديدا، فيا ايها المربون لا تحتقروا عملكم التربوي فهو من أعظم المهمات.

فما هي التربية؟

التربية هي التي تنقل بها الامم حضارتها وثقافتها من جيل الى جيل، وتنمي الانسان بكل جوانب حياته لتحقق النمو الشامل له، فهي التي تخرج فردا ومجتمعا يتمثل الاسلام بكل جزئياته، فتخرج شابا جادا داعيا لدين الله ناجحا في كل مجال، بل ويتفوق على غيره سواء كان عالما، او داعية، او تاجرا، او طبيبا، او غيرهم.

إذا لم يكن هناك علم بالتربية فسيربي الانسان على حسب هواه وعاداته وتقاليده وما رأى من استاذه ومن ابيه في البيت وربما من بعض المواقف في الحياة ثم الاجتهادات الشخصية، لذا ليس كل من أشرف على مجموعة او محضن طلابي أصبح مربيا ناجحا فربما يكون المربي ليس عنده علم بالتربية لأنه لم يتلق تربية اصلا، او ان صفاته لا تصلح لان يكون مربيا لكن الظروف هي التي وضعته في هذا المكان.

فبضعف التربية ستضيع الجهود والاوقات والاموال، ويتخرج شباب ضعاف الالتزام، ضعاف في الهمم بلا علم ولا دعوة، سريعون في الانتكاس، وللأسف لن يتخرج منهم علماء، او طلبة علم، او دعاة، او مربون.

من الالفاظ الواردة في الوحي الدالة على التربية هي التزكية، فاختيار لفظ التزكية أولى من لفظ التربية، لان لفظ التربية لا يفيد مدحا ولا ذما، ومن هنا نقفز الى نتيجة مبكرة وهي، يمكنك ان تدرك قيمة التربية في الاسلام بقدر ادراكك لقيمة التزكية في الاسلام.

ومن الالفاظ المتقاربة هي الربانيون، قال تعالى: “ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون”.

فتعريف التربية، لغة ترجع الى ثلاثة اصول لغوية، اولا، ربا يربو اي زاد ونما، قال تعالى “… ليربو في اموال الناس” سورة الروم، ثانيا، ربي يربي على وزن خفي يخفي بمعنى التنشئة والرعاية، ثالثا، ربّي يربّ على وزن مدّ بمعنى أصلحه وتولى امره وساسه وقام عليه. اما اصطلاحا، فهناك عدة تعريفات منها، انشاء الشيء حالا فحالا الى حد التمام، تعبيد الناس لله تعالى، اعداد المسلم الفعال، اعداد الانسان، اعداد المسلم الصالح في نفسه والمصلح لغيره، هي الجهود التي تبذل لتنمية الانسان بجميع جوانبه الروحية، العقلية، الجسدية والنفسية، للارتقاء به من الحال التي هو عليها الى المثل الاعلى الذي ينبغي ان يكون عليه.

اما التعريف الشامل، التربية في المحاضن، هي العملية التي يقوم بها المربي لمجموعة من الطلاب في محضن مستقر بتحويلهم من خلال منهج معد وخلال مدة زمنية ووفق قواعد واساليب حالا فحالا الى ان يصل بهم الى الهدف المنشود. فحقيقة التربية هي تحويل المعلومات الى واقع، فمهمة المحاضر ان يلقي المعلومات، اما المربي، فيحول تلك المعلومات الى واقع، فيمكن القول ان التربية هي البرمجة الصحيحة للإنسان، فمن خلال التربية نستطيع غرس المفاهيم الصحيحة وتعديل المفاهيم الخاطئة، واكساب سلوك صحيح، وتعديل سلوك خاطئ.

للتربية اركان ثلاثة، المربي، المتربي ومن ثم المنهج، فهذه الاركان هي التي تصيغ لنا العملية التربوية بحيث يشترط في المحضن التربوي الزمن الكافي اي اقله ثلاث سنوات، البيئة المناسبة، والاستقرار للمربي، المتربي، المنهج التربوي والبيئة التربوية، وللتربية ايضا مجالات عدة، المجال الفكري الايماني المهاري الاسري الاخلاقي والعلمي، فتتشكل هنا منظومة كاملة يكون لها اركان وعناصر وشروط ومفاهيم واضحة للعاملين في المجال التربوي، منظومة متكاملة وفق منظور شامل نهايته تحقيق نتائج عالية، بما يتناسب مع تحديات ومشكلات الجيل الصاعد.

يستكمل في مقالات قادمة ان شاء الله…

 

أحمد المصطفى