التأدب مع الله

الله نزّل أحسن الحديث كتاباً مباركاً لا ريب فيه، برهانٌ للناس فيه هداية المتّقين. ولمّا كان هذا الكتاب أبلغ وأفصح ما حَوَته العربية، كان على الأدباء والعلماء والفقهاء والبلغاء أن يتعاملوا معه معاملةً خاصةً مميّزةً استثنائية. ولأن أهل العلم والفصاحة كانوا يعرفون قيمة كلام الله المُنزّل على رسوله عليه الصلاة والسلام، فقد تعاملوا معه كما لم يتعاملوا مع غيره.

يقول ابن المُسيب رحمه الله: “ما كان لله فهو عظيم حسن جميل”، من هنا كان للنحويين منهجاً خاصاً في تعاملهم مع لفظ الجلالة وما يرتبط به وينسب إليه ويعود له. وممّا يصوّر السلوك في هذا المنهج استبدالهم عبارة “فعل لم يُسمّ فاعله” بعبارة “مبني بالمجهول” كقولهم “خُلِق الإنسان من عَجَل”. فيقولون في الفعل “خُلِقَ” أنه فعل لم يُسَمَّ فاعله ويمتنعون عن القول في هذا الفعل “مبنيٌّ للمجهول”.

وإذا جاء لفظ الجلالة منصوباً في موقع المفعول به فإنهم يستبدلون “اسم الجلالة منصوبٌ على التعظيم” بلفظة “مفعول به” كما في قوله تعالى: “اعبدوا الله”. فلفظ الجلالة المنصوب الواقع في محل مفعول به أصبح اسماً منصوباً على التعظيم.

ولفعل الأمر نصيبٌ من الاستثنائية والخصوصية إذا ارتبط بلفظ الجلالة، فإذا وقفنا عند أفعال الأمر وعلى سبيل المثال لا الحصر في الآية السادسة والثمانين بعد المئتيْن في سورة البقرة (اعفُ- اغفر- ارحمنا- انصرنا) وجدنا أن الأفعال السابقة كلّها أفعال أمرٍ تعود لله عزّ وجل، ولكن أهل النحو لَحَظوا أنه ليس من الأدب معاملة المثل الأعلى كما يُعامل أهل العموم، فقالوا أن كل فعل أمرٍ منسوبٌ إلى الله فهو فعل طلبٍ أو فعل دعاء لا فعل أمر.

وانسحب هذا الأدب على مسائل وألفاظ متعدّدة، فغيّروا اسم “لام الأمر” وأطلقوا عليها اسماً جديداً هو “لام الدعاء” (لِيَقْضِ علينا ربك)، وأصبحت “لا الناهية” “حرف دعاء” في الآية الكريمة “لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا”. وامتدّ بهم الأمر إلى إبطال لفظ “الحرف الزائد” في أيّ حرفٍ من القرآن, فليس في كتاب الله ما هو زائد. والأصل في هذا الأمر، أنّ حرف الكاف مثلاً في قوله تعالى: “ليس كمثله شيء” هو حرف توكيد أو حرف صِلة، فذهب ابن هشام وهو أحد أئمة النحو العربي إلى تجنّب القول في الكاف أنها حرف زائد. والمعروف والسابق إلى أذهان الناس أنّ الزائد هو الذي لا معنى له. لذلك أوصى ابن هشام أن يتجنّب المُعْرِب القول في حرفٍ من حروف الله أنّه زائد لا معنى له ولا قيمة.

يذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه “فتح الباري” ما يلي: “لا يجوز تصغير اسم الله إجماعاً”. فليس من الجائز أن يقول المرء عبد العُزَيْز بدل عبد العَزِيز. وقد سلك هذا المسلك العديد من اللغويين الجهابذة أمثال محمد بن عبد الله بن مالك صاحب الألفية الشهيرة، كما سلك عبد الله بن هشام المسلك نفسه.

يقول إمام النُّحاة عمرو بن عثمان الملقب “سيبويه” في كتابه “الكتاب” في ذكر المعارف عندما جاء يعرّف لفظ الجلالة قال: الله أعرف المعارف.

ولأن الجزاء من جنس العمل، يُروى أنّ أحدهم رأى سيبويه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال سيبويه: خيراً كثيراً, لأني جعلتُ اسمه أعرف المعارف.

ويُروى أنّ ابن نزار ملك النحاة أنشد شعراً أُبعِد بسببه عن النار. يتحدّث الإمام السيوطي رحمه الله عن الأمر فيقول: رأى رجل في منامه ابن نزار، فسأل الرائي ملكَ النحاة: ما فعل الله بك؟ قال: أنشدته قصيدة ما في الجنة مثلها، وهي:

يا رب ها قد أتيتُ معترفاً

بما جَنَتْه يداي من زللِ

ملآن كَفٍّ بكلِّ مأثمةٍ

صفر يدٍ من محاسن العملِ

فكيف أخشى ناراً مسعَّرةً

وأنت يا ربّ في القيامة لي.

يقول ابن نزار في المنام: فوالله منذ فَرَغْتُ من إنشادها ما سمعتُ حسيس النار.

لقد عرف أهل اللغة والبلاغة قيمة ما أنزل الله، فتدارسوه ورسموه على قراطيسهم وألواحهم وعاملوه معاملةً خاصةً ليس لغيره ما له. ولأن كلام الله مجيدٌ بليغٌ فصيح فيه من البيان الكثير، وجد العلماء أنفسهم أمام إجبارية التأدب مع هذا الكلام وتعظيمه وإجلاله.

هم قومٌ عرفوا المعنى وفهموه فقدّروه.

كتبه بلال شرف الدين