قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه عن انتشار الإسلام: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل الله به الكفر”.

“درستُ تاريخ الأديان على مدى خمسين عاماً وإنَّ العقيدة التي يُربَّى عليها المسلمون لَتدعو لِأعظم دهشة، إذ تقوم على أساس الإيمان بأنه لم يُصِب الإنسان إلاَّ ما كتبه الله له، وأنه ما من شيءٍ ينقص هذه العقيدة ولن يكون بإمكان أي امرئ أن يتجاوزها، إنَّ الإسلام هو الدين الذي سنقِّرُ به جميعاً إنْ عاجلاً أو آجلاً”. بهذه الكلمات يُصرّح الأديب والشاعر الألماني ابن مدينة فرانكفورت “غوته” عن إعجابه بالإسلام.

هو يوهان فولفغانغ فون غوته، ولد عام 1749 وتوفي عام 1832. درس المحاماة وتخرج من كلية الحقوق. كان يميل إلى الاهتمام بالأدب رغم دراسة المحاماة، فتعمَّق كثيرًا في دراساته، كما برز اهتمامه بأدب وثقافة الشرقيين، وأشاد ببعض الشعراء العرب الكلاسيكيين من أمثال تأبّط شرّا وأبي تمام. ظهر في أعماله تأثره بالفكر الإسلامي والعربي، فقدم “الديوان الغربي والشرقي” الذي كان من أروع أعماله الذي جسّد فيه قيم التسامح والتفاهم بين الحضارتين الإسلامية العربية والأوروبية.

غوته والإسلام:

في ديوانه “الديوان الشرقي الغربي” يُعلن غوته عن إعجابه بالإسلام والقرآن: “إذا كان الإسلام معناه الاستسلام لله، فكلنا مسلمون”. ولقد اعتبر العديد ممن ترجموا الديوان الشرقي للمؤلف الغربي وأبرزهم الدكتور “عبد الرحمن بدوي” بأنه أعظم وثيقة عَبَرَ بها غوته إلى الشرق وعاش سماحة الإسلام. لقد كتب قصائده في هذا الديوان بتأثير إسلامي وبفهم موضوعي عميق، معتبراً أن الإسلام هو الدين المميز للشرق، ودستوره القرآن أنزله الله على نبي الإسلام الأعظم.

ويُثني غوته على الشرائع الاسلامية ويعترف بتفوّق هذه التعاليم على الشرائع الغربية، يقول:” إنَّ التشريع في الغرب ناقص بالنسبة للتعاليم الإسلامية، وإنَّنا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه الإسلام وسوف لا يتقدم عليه أحد، وإذا كان هذا هو الإسلام أفلا نكون جميعنا مسلمين!”.

تأثر غوته بالقرآن الكريم:

عبّر الشاعر والفيلسوف الألماني عن افتنانه بالقرآن، وذلك حين قال: “إن الله أنزل الملاك جبريل إلى النبي محمد وهو أُمي لم يطّلع على شيء من العلوم أو الفلسفة. ولم يكن شاعراً، وهذا ما دعا البشر إلى الثقة في دعوته، فقد ظل نقياً حتى أكمل رسالته إلى النهاية. وكانت لغة القرآن مفاجأة لغوية للعرب وهم أهل البلاغة، وكانت هذه اللغة هي المفتاح الذي فتح القلوب للدين الجديد. ولأن هذا القرآن من عند الله فإننا نجد فيه روعة الدلائل على وجود الله وعظمته وامتلاكه لهذا الكون الفسيح، وباختصار لم ولن يكون في مقدور أحد من البشر الوصول إلى هذه المعجزة الربانية”.

قد يكون هذا الكلام مألوفاً بالنسبة للمسلمين ولكنه يكتسب قيمته باعتراف هذا الشاعر الغربي الذي تعلق بالقرآن ومن أجله بذل جهداً كبيراً في تعلم اللغة العربية وقرأ ترجمات القرآن ووصف أسلوب القرآن بالعظمة والرهبة.

كان يستشهد بآيات من القرآن في كتاباته أيضاً. ففي إحدى رسائله الخاصة كتب إلى شاعر من أصدقائه: أريد أن أدعو “رب اشرح لي صدري” كما دعاه موسى. كما كتب عن تأثره بالآيات (25-27) من سورة طه “رب اشرح لي صدري، ويسر أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”.

كان تأثير القرآن الكريم جليّاً في كل مجالاته, حتى أنّه ضمّن شعره العديد من رسائل القرآن مثل الآية الكريمة من سورة الأنعام: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. يقول: جعل لكم الكواكبَ والنجومَ لتهتدوا بها في البر والبحر، لكي تنعموا بزينتها وتنظروا دائمًا إلى السماء.

وفي قصيدة “الخلق والإحياء” يتحدث عن خلق سيدنا آدم عليه السلام من صلصال من حمأ مسنون ونفْخُ الرب فيه من روحه ودخول الرّوحُ الأنفَ ثم العطاس فحمدُ الله, وهو يستلهم في ذلك القرآن والحديث. قال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مسْنُون، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مسْنُون، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”.

يقول غوته كلاماً مستمدٌ من فحوى الآية الكريمة: آدم كان فلذة من صلصال مسنون أحوالها إلى إنسان ربّ العالمين ولكنه أتى من بطن أمه ثم نفخ الربّ فيه روحاً دخلت أنفه حتى فيه هنالك صار خلقاً آخر لأنه بدأ يعطس.

وفي ديوانه الشهير، قال: “كلما رأيت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي، القرآن كتاب الكتب، وإنِّي اعتقد هذا كما يعتقد كل مسلم”.

عندما بلغ السبعين دعا إلى الاحتفال في أنحاء العالم باليوم المقدس الذي نزل فيه القرآن من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -أي ليلة القدر-، كما كتب عن التأثير الرباني الذي تركه القرآن على تاريخ البشرية، مما يعكس قناعته بالحقائق التي وردت في القرآن.

انعكاس سيرة النبي محمد على شخصية غوته:

حين بلغ غوته الثالثة والعشرين من عمره, كتب قصيدةً بعنوان “أنشودة محمد” مدح فيها النبي الكريم مدحاً حارّاً وعبّر عن الاحترام الكبير الذي كان يكنه للرسول. وهو لم يتوقّف عند هذا الحد، بل إن هذا الإعجاب دفعه لكتابة عمله “تراجيديا محمد”، إذ يقول في سيرته “شعر وحقيقة” عن مسرحيته المذكورة آنفا (تراجيديا محمد): “تبدأ المسرحية بترنيمة يترنم بها محمد، وقد أحاطت به سماء الليل الصافية… وكنتُ قد نظمتُ هذه المناجاة بحبٍ شديد، غير أنها ضاعت مني، ومع ذلك فما زلت قادراً على نظمها من جديد لتكون أنشودةً غنائيةً صالحةً للتلحين”.

ثم يعرب عن رغبته في أن يهاجر كما هاجر النبي محمد من مكة إلى المدينة, ولهذا نظم قصيدة ضمن ديوانه أسماها “هجرة”. ومما يقوله في النبي عليه الصلاة والسلام: “بحثت في التاريخ عن مثلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في نبي الإسلام محمد”.

استطاع تصوير النبي محمد كَنهرٍ بدأ يتدفق رقيقاً هادئاً، ثم لا يلبث أن يجيش بشكل مطّرد، فيتحول في عنفوانه إلى سيل عارم يجذب إليه جميع الجداول والأنهار المجاورة، وهي تصور اتساع هذا النهر وتعاظم قوته الروحية في زحفها الظاهر الرائع لتصب أخيرا في بحر المحيط، بحر الألوهية العظيم.

تقول الباحثة الألمانية “كاترينا مومزن” في كتابها “غوته والعالم العربي”: “إن علاقة غوته بالإسلام وبنبيّه ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر”.

لقد وجّه الله قلب هذا الفيلسوف والأديب نحو الإسلام وكتابه ورسوله. فامتلأ هذا القلب تأثراً ومحاكاةً وتقليداً، حتى وصل الحال بصاحب هذا القلب إلى القول: “لا أكره أن يُقال عني أنِّي مسلم”.

بلال شرف الدين